عفيف الدين التلمساني
104
شرح مواقف النفري
ذلك إن شاء اللّه تعالى في أثناء الشرح ، فإذا سلك الطالب في هذه المسالك بالأدب المستفاد من هذا الموقف فقد اهتدى . قوله : ( طلبك مني وأنت لا تراني عبادة ، وطلبك مني وأنت تراني استهزاء ) . قلت : معناه أن الدعاء بالنسبة إلى الداعي إما أن يكون ممن هو في مقام العمل الصالح بمقتضى العلم النافع ، وإما أن يكون فوق ذلك ، فإن كان الأول فنصيبه من الأدب مع اللّه أن يسأله ويدعوه ويطلب منه جميع حوائجه ، وذلك منه عبادة ؛ لأنه لا يرى ربه تبارك وتعالى ، وهذا هو أدب السالكين إلى اللّه تعالى ، وهم أهل العمل بالعلم بشرط أن يكون هو العلم المصادف للحكم ، فليس إذن كل عباد هذه الطائفة هم المقصودون بهذا الخطاب في التنزل ، بل خواص العباد ، وهم عوام بالنسبة إلى من فوقهم ، وإن كان الثاني فهو إما من الطائفة الذين يسلكون باللّه أو ممن فوقهم ، فإن كان الأول فنصيب هؤلاء من الأدب بالنسبة إلى المسألة أن يكونوا مع ما تعينه لهم أحوالهم من غير تعمل ، وهؤلاء وإن كانوا محجوبين باعتبار ما بقي من رسومهم ، فإن ذلك يقتضي لهم أن يطلبوا من اللّه تعالى إلا أن الغالب عليهم الاشتغال باللّه عن الطلب منه ، وفي هذا المقام قيل لأبي يزيد : ما تريد ؟ فقال : أريد أن لا أريد ، ومع هذا لو طلبوا لعذروا ، لكن ذلك نقص في حقهم ، إلا أنهم لا يؤاخذون به لما بقي فيهم من نصيب الذين قبلهم وهم أهل العمل بالعلم ، وإن كان الثاني وهم الذين فوق هذا المقام ، وهذا المقام مقام المعرفة فيكون القوم الذين فوقه هم أهل مقام الوقفة ، وهؤلاء هم الواقفون وليس هؤلاء بسالكين ، لكن لهم سلوك باعتبار أن يقوم عنهم في السلوك وصف مغن لهم ، وهم السالكون في اللّه بهذا الاعتبار ، ونصيب هؤلاء وبعض من دونهم من مقام المعرفة من الطلب من اللّه تعالى أن لا يطلبوا منه شيئا ؛ فإن الطلب منهم استهزاء ، وإليهم الإشارة في التنزل ، وإنما كان الطلب من اللّه استهزاء في حقهم من جهة أنهم إذا رأوه تعالى فهم يجدونه قد أعطى كل شيء خلقه ثم هداه حتى استوفى حقه ، فلا يجدون الطلب منه إلا استهزاء ، وحاشا هؤلاء أن يقع منهم استهزاء ، بل المراد المجاز ، ووجه المجاز أن يكون فعلهم يشبه فعل المستهزىء ؛ لأن فاعل ما لا يرى فعله محصلا له نفعا يقال له مستهزىء ، وإن لم نقصد به الاستهزاء ، وما بعده معلوم فلا يحتاج إلى شرح .