عبد الله الأنصاري الهروي

404

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : وهي غيرة قاتلة ، يعني مضرّة ضررا شديدا ، حتّى شبّهه بالقتل ، وذلك لأنّ الغيرة على الفائت تفويت آخر ، كما يقال : إنّ الاشتغال بالنّدم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر قبل ، ولذلك يقولون : الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك ، ولا فرق بين قولهم قطعك السّيف ، وقتلك السّيف ، فإذا الغيرة المضيعة للوقت هي غيرة قاتلة . ثمّ بيّن سبب ذلك بما بعده ، وهو قوله : فإنّ الوقت وحيّ التقضّي ، ومعنى وحيّ سريع ، فإنّ الوحا السّرعة ، والعرب تقول لمن تستعجله : الوحا الوحا ، أي العجل العجل ، وتقول : جاء فلان وحيا ، أي مسرعا ، فالوقت ينقضي ، فمن عقل عن نفسه تصرّمت أوقاته ، وعظمت حسراته ، ويقال : إنّ أصعب الأحوال المنقطعة ، مقام رجال الأنفاس ، وهم الذين إذا جذبوا النّفس الواحد جذبوه وهم حاضرون مع الحقّ تعالى بقلوبهم ، فإذا أرادوا دفعه لم يدفعوه حتّى يحضروا بقلوبهم أيضا مع الحقّ ، فلا يفوتهم نفس من أنفاسهم إلّا وهم حاضرون مع ربّهم تبارك وتعالى بصفة المراقبة ، إلّا إذا غلبهم النّوم ، وأكثرهم يرى في نومه أنّه يفعل ذلك ، فتنحفظ عليه أوقات نومه ، وأوقات يقظته ، إلّا ما / شاء اللّه . وإن كان النّائم لا مطالبة عليه حتى يستيقظ ، وإنّما التزموا الأنفاس لمعرفتهم أنّ الوقت سريع التقلّب ، وحيّ التقضّي . قوله : أبيّ الجانب ، الأبيّ هو الممتنع ، وقد فسّرنا معنى الأبيّ والعصيّ والجريّ في باب السّكينة « 4 » ، والممتنع الجانب ، هو الذي لا يتمكّن طالبه من التصرّف فيه ، فاستعار ذلك للوقت على حكم التّشبيه ، فإنّ الاستعارة ضرب من التّشبيه . قوله : بطيّ الرّجوع ، وأنا أقول : إنّ الوقت لا يرجع لا بطيئا ولا سريعا ، وإنّما أراد الشيخ أنّ الحال الحسنة التي تحصل للعبد في وقت

--> ( 4 ) انظر ورقة 87 ( ب ) .