عبد الله الأنصاري الهروي

391

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : والعقبة التي ينحدر منها على منازل المحو ، يعني بذلك تكملة الأودية ، وذلك أنّ الأودية لا ينحدر إليها إلّا من عقبة ، فلمّا سمّى الفناء أودية استعار للمحبّة التي تدخل منها إلى الفناء عقبة . ومنازل المحو هي مقاماته . وأوّلها : محو الأفعال في فعل الحقّ ، فلا يرى فعلا لغير اللّه تعالى ، فهذا منزل . الثاني : محو الصّفات ، فتنمحي صفات الحسن التي كانت تنسب إلى المخلوقات في صفات الجمال المطلق الإلهيّ ، وصفات الحسن هي الصّفات الوجوديّة ، وأمّا الصّفات الاعتباريّة فترجع في نظر الشّاهد إلى العدم ، ويبقى حسن الصورة مشهودا في صورة الحسن ، / فيدخل المطلق في المقيّد ، والشّهادة في الغيب ، والظّاهر في الباطن ، والآخر في الأوّل ، فترجع الأشعّة إلى شمسها ، والشّمس إلى منوّرها بذهاب صورة قرصها ، وذلك كلّه في نظر النّاظر وشهادة الشّاهد ، ولم يتجدّد للحقيقة أمر لم يكن لها قبل ذلك . وهذه الصّفات كانت موهوبة للعبد ، يستدلّ بها على بارئها ، فيعلم بالعلم أنّه عليم ، وبالبصر أنّه بصير ، إذ لو لم تكن للعبد هذه الصّفات ما اهتدوا إلى إثباتها لخالقها وبارئها تبارك وتعالى . وقد ورد على بعض الفقراء خطاب في هذا المعنى في حال غيبة من وحشة ، فنودي : يا عبد ، إنّما منحتك صفاتي لتعرفني بها ، فإن ادّعيتها سلبتها الدّلالة ؛ وهذا هو المنزل الثاني من منازل المحو . والثالث : هو محو الذّات في التجلّي الذاتيّ ، وهو ظهور وحدة الوجود ، وعود الصّور إلى العدم ، ورفع نسبة شاهد ومشهود ، وواجد وموجود ،