عبد الله الأنصاري الهروي
328
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
[ الدّرجة الثالثة الإحسان في الوقت ] الدّرجة الثالثة : الإحسان في الوقت ، وهو أن لا تزايل المشاهدة أبدا ، ولا تخلط بهمّتك أحدا ، وتجعل هجرتك إلى الحقّ سرمدا . ( 1 ) قوله : وهو أن لا تزايل المشاهدة ، أي لا تفارق المشاهدة . وأقول : إن هذه الوصيّة لا تفيد إلّا لأهل التّمكين الذين ارتفع عنهم الحجاب بالكليّة ، وزال عنهم رعب المشاهدة وجلال الهيبة ، وهم أهل المشاهدة الذاتيّة ، فإنّ هؤلاء متى أرادوا يتشاغلوا بالصور والأغيار أمكنهم ذلك ، وإن كانت الصور لا تحجبهم ، لكنّهم يشتغلون بتفاصيل عالم الخلق عن تفاصيل عالم الأمر ، فالشيخ رضي اللّه عنه يوصي هؤلاء بترجيح عالم الأمر على عالم الخلق ، قال تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ « 3 » . وأمّا من دون هؤلاء في المنزلة ، فإن كانوا أهل مشاهدة قويّة الحال ، فهم لا يقدرون على مفارقة المشاهدة ، فإنّ الوارد يحكم ، وإن كانوا أهل مشاهدة ضعيفة الحال ، فإنّهم لا يقدرون على مداومة الشّهود ، لأنّ الحجاب يغشاهم كرها منهم ، ولا يقدرون على رفع الحجاب بحيلة ، إذ الشّهود إنّما هو موهبة ، لا حيلة في تحصيله ، فإذا الوصيّة إنّما هي لأهل التّمكين لا غير . قوله : ولا تخلط بهمّتك أحدا ، يعني ، أن تعلّق همّتك بالحقّ ، ولا تعلّقها بأحد غيره ، فإنّ ذلك شرك في طريق الحقيقة . قوله : وتجعل هجرتك إلى الحقّ سرمدا ، يعني أنّ كلّ متوجّه إلى اللّه تعالى فإنّه من المهاجرين إليه ، فإن خلط توجّهه إليه بغرض من
--> ( 3 ) الآية 54 سورة الأعراف .