عبد الله الأنصاري الهروي
390
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
ولمّا كان الطّلب بالهمّة قد يكون عاريا عن الأنس ، وكان المحبّ لا يكون إلّا مستأنسا باستحضار محاسن محبوبه ، / مستغرقا فيها ، وجب أن يكون المحبّ موصوفا بالأنس أيضا ، فصارت المحبّة بهذا الاعتبار موجودة بين الهمّة والأنس . قوله : في البذل ، يعني في بذل النّفس لمحبوبه . قوله : والمنع ، يعني منع القلب من التعرّض إلى ما سوى مطلوبه ، ولا يكون مطلوبه غير محبوبه . قوله : على الإفراد ، يعني أن ينسى أوصاف نفسه في ذكر محاسن محبوبه ، حتّى يذهب ملاحظة الثنويّة ، وفي هذا المعنى لبعض أصحابي الذين سلكوا على يديّ بيت شعر يشبه هذا المعنى ، وهو من جملة قصيد : شاهدته وذهلت عنّي غيرة منّي عليه فذا المثنّى مفرد فهذا معنى قوله : على الإفراد ، أي على إفراد المحبّ لمحبوبه بالتوجّه . والمحبّة أوّل أودية الفناء ، والعقبة التي ينحدر منها على منازل المحو ، وهي آخر منزل يلتقي فيه مقدّمة العامّة وساقة الخاصّة . ( 1 ) قوله : المحبّة أوّل أودية الفناء ، لا تفنى خواطر المحبّ عن التعلّق بالغير ، وأوّل شيء يفنى من المجذوب خواطره ، لأنّه إذا جذب قلبه انجذبت خواطره في الضمن والتّبع ، فالمحبّة إذن أوّل أودية الفناء ، وإنّما استعار للفناء أودية ، لأنّ الوادي يجمع النّظر ويحصره ، بخلاف المكان العالي أو المكان المستوي ، فناسب أن يستعير للفناء الأودية .