عبد الله الأنصاري الهروي

373

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

فإنّه إنّما عصى الأمر لما في الأمر من التّكاليف التي لم يكن يلتذّ بها ، فلمّا حصلت له فيها هذه الرّاحة التي هي السّكينة ، ووجد فيها مطلوبه وهي اللذّة ، سكن إليها ، وهذه اللذّة روحانيّة ، اعتاض بها عن اللذّات الجسمانيّة . وعادة صاحب هذه المقام أن ينسى اللذّات البشريّة ، ويغذّي الرّوح باللذّات الرّوحانيّة ، وبذلك يحصل مقام الطمأنينة عقيب السّكينة . وأمّا سكون الجريّ إلى هذه الرّاحة ، فهو أنّه إذا ذاق لذّة روح السّكينة ، امتنع من الجرأة على مخالفة الأمر خوفا أن تفوته اللّذة ، وما بعدها من اللّذات ، فهو يسكن إلى هذه الرّاحة ، ولا يتجرّأ على المخالفة . وأمّا سكون الآبي إلى روح السّكينة ، فإنّه كان يأبى امتثال أمر شيخه ميلا في المجاهدات استصعابا لها ، فعند ما ذاق روح السّكينة سكن إليه ، فامتثل أمر ربّه ، وأمر شيخه ، فالعصيّ هو العاصي ، والجريّ هو المتجرّي على المعاصي ، والآبي هو الذي يأبى ما يؤمر به ، ومعناه يرجع معنى العاصي . وأمّا سكينة الوقار التي نزّلها نعتا لأربابها ، فإنّها ضياء تلك السّكينة الثالثة التي ذكرناها ، [ درجات السكينة ] وهي على ثلاث درجات : [ الدّرجة الأولى وهي سكينة الخشوع عند القيام للخدمة رعاية وتعظيما وحضورا . ] الدّرجة الأولى : وهي سكينة الخشوع عند القيام للخدمة رعاية وتعظيما وحضورا . ( 1 ) سكينة الوقار هي خلاصة السّكينة المذكورة في الدّرجة الثالثة . وقوله : نزّلها ، يعني نزّلها اللّه تعالى . قوله : نعتا لأربابها ، أي بحسب مقامات أربابها في الدّرجات الثلاثة التي يأتي ذكر شرحها .