عبد الله الأنصاري الهروي

535

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

( 1 ) قوله : بسطت رحمة للخلق ، أي جعل اللّه انبساطهم مع الخلق رحمة لهم ، أعني للخلق ، وليس المراد بهذه الرّحمة رحمة الآخرة ، بل رحمة الدّنيا ، وذلك بأن يثبّتوهم أن يحكم فيهم سلطان الخوف حتّى يمنعهم من اللذّات المباحة لهم في الدّنيا ، وذلك لأنّ الخوف لا ينبغي أن يغلب الرّجاء ، وإن كانت الغلبة ولا بدّ ، فليكن الرّجاء ، لأنّ الحقّ تعالى يقول : سبقت رحمتي غضبي « 2 » . قوله : فيستضيئون بنورهم ، أي يقلّدونهم في البسط ، فينبسطون بسطا مباحا ، ويعرّفونهم كيف يحفظون الأدب في البسط ، فيكون ذلك بمنزلة من نور لهم طريق البسط حتّى مشوا فيه على الحقّ ، ونورهم الذي يستضيئون به هو نور المعرفة التي في بواطنهم ، لا نور العلم الذي أرسلت شواهدهم فيه كما ذكر في أوّل الباب . قوله : والحقائق مجموعة ، أي انبسطوا والحقائق التي هي عالم سرائرهم مجموعة في بواطنهم لم تتفرّق بالانبساط الذي اشتغل به ظاهرهم ، فكأنّه قال : إنّ البسط لم يشتّت قلوبهم عن إدراك ما كوشفوا به من عوالم الاختصاص الذي أشار به في أوّل الباب بقوله : / ويسبل على باطنهم رداء الاختصاص . قوله : والسرائر مصونة ، أي وسرائرهم مصونة ، أي لم يكشفوها للجهّال ، وإن كانوا معاشرين لهم لأجل البسط الذي آنسهم إليه ، وألّف بينهم وبينهم . وطائفة بسطت لقوّة معانيهم وتصميم مناظرهم ، لأنّهم طائفة لا تخالج الشّواهد مشهودهم ، ولا تصرف رياح الرّسوم موجودهم ، فهم منبسطون في قبضة القبض . .

--> ( 2 ) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد ، باب ، وكان عرشه على الماء وهو ربّ العرش العظيم ، والحديث : إنّ اللّه لمّا قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه : إنّ رحمتي سبقت غضبي .