عبد الله الأنصاري الهروي

516

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : وتلبس نعوت القدس ، القدس هو التّطهير ، بل هو نفس النّزاهة والطّهارة ، ونعوت النّزاهة هي صفاتها ، كأنّه قال : يستحقّ العبد بالمعاينة أن يوصف بنعوت القدس ، والنّعت والصّفة واحد ، وكأنّه يقول : أن يوصف بصفات مطهّرة من الغيريّة منزّهة من الأجنبيّة ، وذلك أنّ الحقّ تعالى يلبسه من صفاته ما شاء كما يشاء ، وذلك التّحقيق بالأسماء الحسنى ، وهو فوق التخلّق بها ، واستعار لفظة تلبس ليعرّفنا أنّ نعوت القدس هي خلع من الحقّ تعالى على أهل المعاينة ، فإنّ الخلع تلبس ، وإنّما كانت خلعا من الحقّ ، / لأنّها بالحقيقة أسماء الحقّ تعالى ألبسها عبده على حكم الوجود والهبة ، كما يلبس السّلطان خلعة لخاصّته ، وعلى الخلع رقوم نعوته دالّة على أنّها في الأصل لسلطانه لا له ، وفي هذا إشارة إلى أنّ رسم العبوديّة باق معتبر يثبت بالحقّ بعد فناء رسم الخلق ، وإذا اغترّ بعض أهل المقام بلباس نعوت القدس ، وظنّ أنّها له حقيقة ونسي الأصل ، شطح كما شطح قوم كثير هم من أهل هذا المقام ، ولكن ثبت نقصهم عند الكمّل ، لعدم ملاحظتهم رسم العبوديّة . قوله : وتخرس ألسنة الإشارات ، يعني أنّ الإشارات هي كالألسنة النّاطقة عن المعاني ، فإذا وصل العبد إلى مشاهدة المعاينة عاد نطق الإشارة خرسا ، لأنّه لا يفيد ، فأشبه الأخرس الذي لسانه موجود وهو غير ناطق ، فهو في معنى المفقود ، فلمّا أشبهت الإشارة الألسنة ، أشبه بطلان دلالتها الخرس ، وإنّما بطلت الإشارة لأنّها تقتضي شرطا خفيّا وهو كونها تدلّ على ثلاثة أشياء : تدلّ على مشير ، وعلى مشار إليه ، وعلى إشارة إليه ، وعلى إشارة معقولة بينهما ، وحضرة المعاينة لا يكون فيها تثليث ولا ثنويّة ، لأنّها توحيد وفردانيّة .