عبد الله الأنصاري الهروي

491

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

فلا يرد علينا فرعه ، ومن جملة ما يحمله العلم ويجده العارف دون غيره أحكام الفلاسفة ، بل العقلاء كلّهم ، فإنّ موجود العارف من علومهم غريب عندهم ، وذلك لأنّ الحقّ تعالى تعرّف إلى العقول على مقاديرها ، وهو فوق مقاديرها ، وتعرّف إلى أرواح أهل المشاهدة به فعرفوه ، فكان هو العارف والمعروف ، وهذا القدر لا تحمله العقول . وقد ورد هذا المعنى في بعض التنزّلات في كتاب المواقف ، قال : أوقفني فقال لي : تعرّفي في الذي أبديته لا يحتمل تعرّفي الذي لم أبده ، فتعرّفه الذي أبداه هو المنقول والمعقول ، وتعرّفه الذي لم يبده هو تعرّفه المشهود ، والمعقول لا يحتمل المشهود ، / فما يحمله العارف ويجده ممّا يحمله العلم ، مع اعترافي بأنّ العلماء لا يدركونه من جهة أنّ العلم في نفس الأمر يحمله ، والعارف يشهده ، وغير العارف لا يعقله ، فالعلم لا يحمله بالنّظر إلى إدراك العقل ، فهو يحمله بالنّظر إلى إدراك الشّهود ، فما بينهما هو موجود العارف ممّا يحمله العلم ، وهو غريب . قوله : أو يظهره وجد ، هذه المرتبة الثانية ، أي موجود العارف منها غريب بالنّظر إلى إدراك غيره ، وذلك أنّ الوجد يظهر أمورا ينكرها العلماء ، ويثبتها العارفون ، وجهة إثباتها هو موجود العارف منها ، وذلك غريب عند العالم ، ولذلك ينكره ، والوجد قد تقدّم شرحه « 5 » فطالعه من هناك . ومن جملة ما يثبته الوجد وينفيه العلم سماع الصوفيّة وأحوالهم الخارقة . قوله : أو يقوم به رسم ، هذه هي المرتبة الثالثة ممّا موجود العارف فيها غريب ، وهو شهود الرّسم وما قام به ، والرّسم هو الصّور الخلقيّة ،

--> ( 5 ) انظر ورقة 103 ( أ ) .