عبد الله الأنصاري الهروي

490

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : ومصحوبه من مشاهده غريب ، يعني بالمصحوب العلم الحقيقيّ الذي يصحبه بعد المشاهدة ، وذلك أنّ الشّهود حالة فناء وسكر ، والصّحو منه يحصل علما يصحب ذلك المشاهد بعد انقضاء الشّهود ، فذلك العلم هو مصحوبه من شاهده ، وإنّما مصحوبه من شاهده غريبا ، لأنّ إدراكه ليس بالعقل ، بل بالحقّ تعالى ، وإدراك النّاس / إنّما هو بالعقل ، والحقّ عند العقل غريب ، وذلك لأنّ الحقّ لا يشهد مع حضور العقل ، فإذا علوم المشاهدة لا تكون مع علوم العقل ، وبهذا التّناقض الذي بين طور العقل وطور الشّهود ، حصل إنكار أهل العقول على العارفين ، وأوجب الحقّ تعالى على العارفين كتمان ما أودعهم من أسراره ، فعلومهم التي هي مصحوبهم من شاهدهم غريبة . قوله : وموجوده فيما يحمله علم ، أو يظهره وجد ، أو يقوم به رسم ، أو تطيقه إشارة ، أو يشمله اسم غريب ، يعني بموجوده ما يجده في شهوده وجدانا ذاتيّا حقيقيّا في هذه المراتب المذكورة ، لأنّ الشهود يشملها كلّها شمولا واحدا حالة المشاهدة ، فأمّا ما يحمله العلم فهو أحكام الشّرع كلّها ، وموجود هذه المشاهدة في هذه الأحكام هو إصابته وجه الصّواب الذي أراد الحقّ تعالى في شرعه إصابة ليس فيها شكّ ولا تبديل ، وهذه الإصابة غريبة عند علماء الشّرع ، متروكة عندهم فيما تفقّهوا فيه من تلقاء أنفسهم ، والحقّ تعالى غير مطالب له بها ، إذ ليست في وسعهم ، وقد قال اللّه تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها « 4 » . وهذا ليس وسعها . ومسألة تكليف ما لا يطاق لا يدخل في هذا الباب ، لأنّ تكليف ما لا يطاق فرع من العلم به ، وهذا المشار إليه غير معلوم في الأصل ،

--> ( 4 ) الآية 286 سورة البقرة .