عبد الله الأنصاري الهروي

424

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : أو شاهد البصر ، وذلك أيضا بأن يرى معاني الحسن المطلق في الحسن المقيّد ، فيعتبر البصر بما يراه من المحسوسات ، فيشهد فيها شيئا من محاسن ظاهر النّور ، فيتنبّه لاستجلاء أمثاله ، كما تنبّه سمع الأوّل بجهة الخطاب الوهميّ المذكور . وهنا دقيقة يعرفها أهل تجارب الخلوات ، وهو أن يصفو الفكر فيتمعنى بعض المعاني الغيبيّة الغريبة ، فيستغربها العقل لكونه ما ألف مثلها ، فتصرفه العادة إلى تلقّيها من جهة الخارج ، لأنّ الأمر المستغرب جرت العادة أن يسمعه الإنسان من غيره ، ولم يعتد أن يجده من نفسه ، ولأجل لطف إدراكه يصير المتخيّل في الظّهور بمنزلة الصّوت المسموع ، ولا بدّ في إدراك هذا من غفلة واستغراق ، لأنّ التباس شيء بشيء آخر لا يحصل لمن وعيه كامل ، بل لمن هو في حكم غفلة ، وأمّا شاهد الحسّ البصريّ فهو أقرب إلى تحقيق إدراك الحسّ ، إلّا أنّ متعلّقه بالصّور غرّارة مكّارة سحّارة فتّانة ، وهي جزئيّات ، والمكاشفات في الغالب لا تكون إلّا في الكلّيات ، إذ نهاية / الكشف التّوحيد الرّافع للكثرة ، وستجد ذلك إن شاء اللّه تعالى . قوله : أو شاهد الفكر ، يعني أنّ شاهد الفكر يستفيق من ذلك الوجد العارض ، ويتنبّه ، وتنبّهه هو أن يفتح له باب من اعتبار المعاني وكيفيّة صدور الأشياء عن البارئ تعالى كيفيّة تدبير الحقّ تعالى لموجوداته ، وذلك لا يكون إلّا بنور إلهيّ يرشده إلى طريق الاعتبارات ، ويعرّفه كيف يتناولها . قوله : أبقى على صاحبه أثرا ، أو لم يبق ، يعني أنّ ذلك الوجد العارض لا يختلف حاله بإبقائه أثرا على المحبّ ، أو بعدم إبقائه . وأقول : إنّ الوجد الشّديد لا بدّ أنّ يبقي أثرا ظاهرا ، والوجد الضّعيف ، لا بدّ أن يبقي أثرا خفيّا ، وكلاهما يبقي الأثر ، لكن يخفى