عبد الله الأنصاري الهروي

425

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

الضّعيف ، ويظهر القويّ ، والشيخ رحمه اللّه أشار بقوله : لم يبق إلى الأثر الذي يخفى ، لأنّ الخفيّ وجوده قريب من عدمه . [ الدّرجة الثانية وجد تستفيق له الرّوح بلمع نور أزليّ ، أو سماع نداء أوليّ ] الدّرجة الثانية : وجد تستفيق له الرّوح بلمع نور أزليّ ، أو سماع نداء أوليّ ، أو جذب حقيقيّ ، إن أبقى على صاحبه لباسه ، وإلّا أبقى عليه نوره . ( 1 ) هذا الوجد أعلى مقاما من الوجد المذكور في الدّرجة الأولى ، وذلك أنّ محلّ اليقظة من ذلك الوجد الأوّل هو الحواسّ والفكر ، وهي أمور تتعلّق بعالم الخلق والصّور ، أمّا الحواسّ فمحلّها صور الأجسام ، والخيال تابع ، لأنّه عبارة عن تمثيلات تلك الصّور بعد غيبتها عن الحسّ ، وأمّا الفكر فهو تصرّف في كلّيات أخذت من تلك الصّور ، فلا يخرج الفكر عن الحسّ ، لأنّه مادّته ، وذلك كلّه عالم الخلق ، ومنتهى ترقّيه إلى أوّل صورة ، وهي القلم الأعلى ، وأمّا هذا الوجد ، فإنّ محلّ تصرّفه عالم الأمر ، وهو قسيم عالم الخلق ، في قوله تعالى : أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ « 3 » . ولمّا كانت الرّوح من عالم الأمر نسب إليها هذه الاستقامة ، فلذلك قال الشيخ : تستفيق له الرّوح . ودليل كون الرّوح من عالم الأمر قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ، قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 4 » . قوله : بلمع نور أزليّ ، يعني بشهود لمع نور أزليّ ، أي منسوب إلى الأزل ، وذلك لا يكون إلّا بالرّوح ، ولا يشهد بالعقل والفكر أصلا لما قدّمنا من اختصاص الفكر والعقل بالصّور ، / وبما رجوعه إلى الصّور ، وهذا اللّمع الأزليّ ليس رجوعه إلّا إلى المصوّر تعالى ، والقوّة المشاهدة لهذا النّور هي متنوّرة بنور الأزل تعالى من مضمون قوله :

--> ( 3 ) الآية 54 سورة الأعراف . ( 4 ) الآية 85 سورة الإسراء .