عبد الله الأنصاري الهروي

50

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

حين يكشفها نور التجلّي ، وشاهدوا رجوع النهاية إلى مبديها ، فقد زال عنهم التفرّق بالعلل ، فكأنّهم رجعوا إلى عين الأزل حيث يكون الثبت للحقّ ، والمحو لما سواه ، وهو رجوع بالعرفان لا بذهاب الأعيان . وبثّ فيهم ذخائره ، وأودعهم سرائره ، ( 1 ) أي بثّ فيهم حقائق العرفان الدّالة عليه ، فرأوا ذواتهم كنوز ذخائره التي ادّخرها لهم ، ورأوها أسرارا لا يجوز كشفها لغير أهلها ، فلذلك قال : وأودعهم سرائره ، فهم أمناء اللّه تعالى على أسراره ، وحملة علمه ، وورثة أنبيائه ، ومعنى بثّ أوجد ونشر ، قال تعالى : وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ * « 10 » . وأشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له الأوّل الآخر الظّاهر الباطن ، ( 2 ) هذه الشّهادة منه شهادة عيان ، وشهادة من دون مقامه شهادة إيمان ، ودليل شهادته بالعيان كونه قرنها بقوله : الأوّل الآخر الظّاهر الباطن ، فإنّ الكشف التامّ يشهد فيه أنّ هذه الأربعة الأسماء مهيمنة على سائر الصّفات العلا ، إذ هي محيطة بها ومهيمنة على مراتب سائر الأفعال أيضا ، فإنّ العلم الأوّل والتّقدير : وما في اللّوح المحفوظ وأمّ الكتاب يتعلّق بالاسم الأوّل ويستند إليه . وأمّا ما بعد فناء الخلق وقهرهم بإعادتهم إلى العدم ، وظهور حكم الوحدانيّة بعد مصيرهم إليه في حضرة قوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ « 11 » ، بعد استيفاء حضرة ، أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ « 12 » ، فهذا كلّه وأمثاله يستند إلى الاسم الآخر ، ثمّ إنّ الّذي بعد هذين ممّا بينهما ، فأمّا ما ظهر فالاسم الظّاهر ، وأمّا ما بطن فالاسم الباطن ، فمن شهد للَّه تعالى بالوحدانيّة في هذه المواطن

--> ( 10 ) الآية 163 سورة البقرة . ( 11 ) الآية 16 سورة غافر . ( 12 ) الآية 53 سورة الشّورى .