عبد الله الأنصاري الهروي
51
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
الأربعة ، فشهادته / عن العيان ، ولا يقدر على ذلك غيره ، ومن صدّق بقلبه ، فشهادته شهادة إيمان ، ومن أقرّ بذلك لسانه ، فذلك من شهادة الإسلام ، ومن كان كأنّه يرى ذلك ، فشهادته شهادة مقام إحسان ، ومن لاحت له بوارق ذلك الإحسان لا غير ، فشهادته شهادة مقام السّكينة ، والكشف فوق ذلك كلّه ، وهو شهادة أولي العلم باللّه تعالى ، وشهادة الملائكة فوق ذلك ، وشهادته تعالى لنفسه فوق كلّ ذلك ، ومحيطة بكلّ ذلك ، واللّه بكلّ شيء محيط . الذي مدّ ظلّ التّكوين على الخليقة مدّا طويلا ، ( 1 ) استعار رضي اللّه عنه للتّكوين لفظ الظلّ إعلاما لنا أنّ المكوّنات بمنزلة الظلال في عدم استقلالها بأنفسها ، إذ لا يتحرّك الظلّ إلّا بحركة صاحبه ، فأهل شهود الحقيقة يرجعون إلى اللّه تعالى فيما يرونه من أفعال خلقه حين رأوا أنّ الكائنات ظلال لا يستطيعون لأنفسهم ضرّا ولا نفعا ، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ، وأمّا قوله : مدّا طويلا ، فإشارة إلى أنّه تعالى يخلق ما لا يتناهى لسعة قدرته ، وفي ذلك يقول بعض أهل الكشف : العرش والكرسيّ يتلوهما * غيرهما من غير ما عالم حبابه في بحر إطلاقه * ما أيسر المحدود في الدّائم ثمّ إنّ حقيقة الظلّ هي عدم الشمس في بقعة ما لساتر سترها ، فحقيقة الظلّ يرجع إلى لا شيء ، ولا يتعيّن بنفسه لكن بالشمس ، فكذلك التّكوين ، إنّما يتعيّن بالكون تعالى ، شهد بذلك أهل التّمكين ، فلذلك قال : ثمّ جعل شمس التّمكين لصفوته عليه دليلا ، ( 2 ) ولكثرة تفرقته احتجنا فيه إلى دليل ، ثمّ جعل شمس التّمكين هي التّوحيد الجامع بنوره قلوب الصفوة عن التفرّق في شعار ظلّ التّكوين ، وذلك لعناية اللّه تعالى بهم ،