عبد الله الأنصاري الهروي
26
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
ولقد بالغ أبو إسماعيل في « ذمّ الكلام » على الاتّباع فأجاد ، ولكنّه له نفس عجيب لا يشبه نفس أئمّة السلف في كتابه « منازل السائرين » « 13 » ، ففيه أشياء مطربة ، وفيه أشياء مشكلة ، ومن تأمّله لاح له ما أشرت إليه ، والسّنّة المحمّدية صلفة ، ولا ينهض الذوق والوجد إلّا على تأسيس الكتاب والسنّة . وقد كان هذا الرجل سيفا مسلولا على المتكلّمين ، له صولة وهيبة واستيلاء على النفوس ببلده ، يعظّمونه ، ويتغالون فيه ، ويبذلون أرواحهم فيما يأمر به . كان عندهم أطوع وأرفع من السلطان بكثير ، وكان طودا راسيا في السنّة لا يتزلزل ولا يلين ، لولا ما كدّر كتابه « الفاروق في الصّفات » بذكر أحاديث باطلة يجب بيانها وهتكها ، واللّه يغفر له بحسن قصده ، وصنّف « الأربعين » في التّوحيد ، و « أربعين » في السنّة ، وقد امتحن مرّات ، وأوذي ، ونفي من بلده . قال ابن طاهر : سمعته يقول : عرضت على السيف خمس مرّات ، لا يقال لي : ارجع عن مذهبك . لكن يقال لي : اسكت عمّن خالفك . فأقول : لا أسكت . وسمعته يقول : أحفظ اثني عشر ألف حديث أسردها سردا « 14 » . قال الحافظ أبو النضر الفامي : كان شيخ الإسلام أبو إسماعيل بكر الزمان ، وواسطة عقد المعاني ، وصورة الإقبال في فنون الفضائل وأنواع المحاسن ، منها نصرة الدين والسنّة ، من غير مداهنة ولا مراقبة لسلطان ولا وزير ، وقد قاسى بذلك قصد الحسّاد في كلّ وقت ، وسعوا في روحه مرارا ، وعمدوا إلى إهلاكه أطوارا ، فوقاه اللّه شرّهم ، وجعل قصدهم أقوى سبب لارتفاع شأنه « 15 » .
--> ( 13 ) وقد طبع كتاب « منازل السائرين » مع شرحه « مدارج السالكين » للعلامة ابن القيم بمطبعة السعادة بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ، وقد تعقب الإمام ابن القيم رحمه اللّه في شرحه هذا الأشياء المشكلة ، وانتقدها انتقادا جيدا رصينا كما هو دأبه رحمه اللّه في كلّ تواليفه . ( 14 ) « تذكرة الحفاظ » 3 / 1184 . ( 15 ) المصدر السابق .