عبد الله الأنصاري الهروي

238

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

[ درجات الحياء ] وهي على ثلاث درجات : [ الدّرجة الأولى حياء يتولّد من علم التّوحيد بنظر الحقّ إليه ] الدّرجة الأولى : حياء يتولّد من علم التّوحيد بنظر الحقّ إليه ، فيجذبه إلى تحمّل المجاهدة ، ويحمله على استقباح الجناية ، ويستكفّه عن الشّكوى . ( 1 ) يعني إنّ العبد إذا علم أنّ الحقّ تعالى ينظر إليه ، تولّد عنه الحياء منه ، فيجذبه علمه بنظر الحقّ إليه إلى احتمال صعوبة المجاهدة ، مثل العبد إذا عمل الشغل بين يدي سيّده ، فإنّه يكون نشيطا ، بخلاف ما إذا كان غائبا عن نظر سيّده ، والحقّ تعالى لا يغيب نظره عن عبيده ، ولكنّ أكثرهم لا يعلمون . وكذلك أيضا يحمله الحياء على استقباح الجناية ، وهي المعصية . قوله : ويستكفّه عن الشّكوى ، أي ، إذا علم أنّ الحقّ تعالى ناظر إليه استحيى أن يشتكي منه ، فهذا معنى يستكفه ، أي يلزمه أن يكفّ عن الشّكوى إلى المخلوقين . [ الدّرجة الثّانية حياء يتولّد من النّظر في علم القرب ] الدّرجة الثّانية : حياء يتولّد من النّظر في علم القرب ، فيدعوه إلى ركوب المحبّة ، ويربطه بروح الأنس ، ويكرّه إليه ملابسة الخلق . ( 2 ) النّظر في علم القرب ، هو تحقّق القلب أنّ الحقّ تعالى مع عبده تحقّقا لا يمازجه شكّ ، فأوّل شيء يتولّد عند العبد من علم هذا القرب الحياء ، إذ الحياء من الحاضر أبلغ وأتمّ ، ثمّ يتولّد من ذلك الحياء مع ذلك العلم بالقرب الميل إلى ركوب المحبّة ، وهو قوله : فيدعوه إلى ركوب المحبّة .