عبد الله الأنصاري الهروي

239

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

قوله : ويربطه بروح الأنس ، أي ، يؤلّف له الأنس باللّه تعالى ، والرّوح بالرّاء المفتوحة هو الرّاحة ، فكأنّه قال : ويربطه براحة الأنس . قوله : ويكرّه إليه ملابسة الخلق ، أي يجد الرّاحة في الأنس بالحقّ ، ويجد الوحشة في ملابسة الخلق ، فيكره لذلك ملابسة الخلق ، والملابسة هنا هي الاجتماع بالخلق . [ الدّرجة الثالثة حياء يتولّد من شهود الحضرة ] الدّرجة الثالثة : حياء يتولّد من شهود الحضرة ، وهي التي تشوبها هيبة ، ولا تقارنها تفرقة ، ولا يوقف لها على غاية . ( 1 ) الحضرة هي بارقة تلوح من الجناب الفردانيّ الأقدس ، وهي رقّة من بوارق التّوحيد إذا شهدها العبد ، فأوّل شيء يغشى الهيبة ، وهو معنى قوله : وهي الّتي تشوبها الهيبة ، أي تمازجها ، فإنّ الشوب هو الممازجة ، ثمّ لا يجد معها تفرقة ، ويعني بالتّفرقة ، أن يخطر في باله سوى الحقّ تعالى ، فكأنّ تلك الحضرة جمعيّة عن التّفرقة . قوله : ولا يوقف لها على غاية ، أي تثبت حتّى تفنى المشاهدة في الشّهود فيصل بالمشاهدة إلى الغاية الّتي هي القصوى ، بل تنصرف عنه قبل ذلك ، لأنّها ليست كشفا تامّا ، بل مبدأ كشف لاح ثم راح ، والقوم يسمّون أمثال هذه الحضرة بوارق ، فالشيخ رضي اللّه عنه يقول : إنّ هذه الحضرة توجب حياء يتولّد منها في القلب في حال حصولها وبعده ، فإنّها إذا انفصلت أبقت في القلب علما يقينا بقرب الحقّ تعالى ، والقرب يوجب الحياء ، والفرق بين هذا الحياء وبين الحياء المذكور في الدّرجتين اللّتين ذكرنا قبل ، هو أنّ هذا الحياء عن مشاهدة كشف ، والحياء المذكور قبل حياء عن إيمان قويّ .