عبد الله الأنصاري الهروي

198

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

عليهم أن يوكّلوا اللّه تعالى في أمورهم ، ويتركوا الأسباب ، ويعتمدوا على المسبّب الحقّ . قوله : وأوهى السبل عند الخاصّة ، أي أضعف الطرق ، فإنّ الواهي هو الضعيف ، والسبل هي الطّرق ، وقد شرح الشيخ رضي اللّه عنه سبب كونه أوهى السبل ، وهو قوله : لأنّ الحقّ قد وكل الأمور إلى نفسه ، وأيأس العالم من ملك شيء منها ، ومعنى هذا أنّه إذا كان الأمر كلّه للَّه ، وليس لك من الأمر شيء ، فكيف توكّل المالك على ملكه ، وأنت ليس لك فيه شيء ، فالخاصّة لمّا تحقّقوا هذا الأمر ، ترقّوا عن مقام التوكّل ، وبقي الخطاب فيه للعامّة الّذين لم يعلموا حقيقة أنّ الأمر كلّه للَّه ، وذلك جائز ، وهو أن يخاطبوا على قدر عقولهم ، فقد قال عليه السّلام : « أمرت أن أخاطب النّاس على قدر عقولهم » . وقوله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ « 2 » ، فقد أثبت الاستخلاف فتقول : إنّ ذلك أيضا من جملة تنزّل الخطاب على أفهامهم ، حيث رأوا أنّهم متصرّفون في أموالهم . قوله : وأيأس العالم من ملك شيء منها ، أي إنّ العالم بأسره لا يملكون شيئا منها ، فالعالم بذلك قد يئس أن يملك شيئا منها ، وأمّا الجاهل فيخاطب على قدر عقله ، ومن تنبّه على قوله تعالى لرسوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ « 3 » ، علم أنّه لا يجوز أن يكون لغيره أيضا من الأمر شيء ، لأنّه لو جاز أن يكون لأحد شيء ، لكان الرّسول عليه السّلام أولى بذلك ، فحيث لم يكن للرّسول صلّى اللّه عليه وسلم لم يجز أن يكون لغيره من باب الأولى .

--> ( 2 ) الآية 7 سورة الحديد . ( 3 ) الآية 128 سورة آل عمران .