عبد الله الأنصاري الهروي

11

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

أمّا الصوفي : فإنّه يزهد في الدّنيا ، لأنّه يتنزّه عن أن يشغله شيء عن اللّه . وعبادة غير الصوفيّ ، هدفها دخوله الجنّة . . . كأنّه يعمل في الدّنيا لأجرة يأخذها في الآخرة : هي « الأجر والثّواب » فمثله كمثل الأجير ، يعمل طيلة النهار ليأخذ أجره في المساء . أمّا عبادة الصوفيّ ، فإنّها استدامة لصلته باللّه تعالى ، إنّه يعبد اللّه ؛ لأنّه مستحقّ العبادة ، ولأنّها نسبة شريفة إليه ، لا لرغبة أو رهبة . وتقول السيّدة « رابعة » ، رضوان اللّه عليها ، ما معناه : « اللّهمّ إن كنت أعبدك خوفا من نارك فألقني فيها ، وإن كنت أعبدك طمعا في جنّتك فاحرمنيها ، وإن كنت أعبدك لوجهك الكريم ، فلا تحرمني من رؤيته » . هذه المعاني الخاصّة بأهداف الزّهد والعبادة - من حيث كونهما لوجه اللّه - إنّها معان عادية عند الصوفيّة ، وكأنّها بديهيّة في محيطهم وفي جوّهم : « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » . والتصوّف إذن : ليس خلقا فحسب ، ولا زهدا فقط ، ولا عبادة لا غير ، وهو وإن كان متضمّنا للخلق الكريم ، والزّهد الرفيع ، والعبادة المتجرّدة ، فإنّه مع كلّ ذلك شيء آخر . وكلمة أخيرة قبل أن نفرغ إلى تعريف التصوّف : إنّ الذين يربطون بين التصوّف من جانب ، والكرامات وخوارق العادات من جانب آخر كثيرون ، ولكن التصوّف ليس كرامات ، ولا خوارق العادات . إنّه شيء يتجاوز الكرامات ، ويتجاوز خوارق العادات .