ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
225
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
أحوال ذلك الرجل في قلبه ، فهو القلب الذي قيل فيه : لذرة من عمل القلوب خير من الدنيا وما فيها ، ولا يرجع يطيق حمل ثوب رقيق ، ولا إزار ، كما قيل : تحملت أثقال المحبة كلها * وإني على حمل القميص لأضعف فإن تهتك فلأيام وإن صاح أو باح ، فقد حمل عنه الملام ، وإن رش عليه الماء في الليالي الأربعانيات ، فما يزيد ذلك الاضطرام ، ولا يزد الماء قلبه إلا نار ، فإذا حصل في القلب شغلي اشتغل ، ونار ذلك القلب واستنار ، واشتعلت فيه الأنوار ، فكيف يطيق حمل ثوب رقيق أو إزار . يا أولادي كل الفقراء عندي ملاح ، وأهل الوفاء والجود والسماح فلو وصفنا لكم شغلهم واشتغالهم وسرهم ورياضتهم ومقاماتهم وسياحتهم ومجاهداتهم ، وما كانوا عليه لضاع الوقت وفرغ الزمان ، لكنهم رضوان اللّه عليهم لكل واحد منهم مقام ، قال اللّه تعالى : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) [ الصّافات : 164 ] وأهل الاختصاص والخصوصية من خاصة الخاصة منهم من مقامه أعلى وأسنى ممن ذكرناهم من أهل التقشف والتزهد ولبس الصوف والنعل المخصوف ، وإنما خاص الخاص وأهل الخصوصية المختصون من الخلق جعلوا أزياءهم قلوبهم ولبسهم تقواهم ، وخوفهم ممن خلقهم وصوّرهم وبرأهم وهم كما قيل : من السعادة أن لا تبعد الدار * وهل يبل غليل الشوق تذكار ليت المنازل بالجرعا دانية * منا وذاك والذي نهوا بها جار ونسمة القرب إذ مرت بهم سحرا * تمايلوا وبدت للسكر آثار هم صاحبوا ليلهم كيما يعرفهم * قطع الطريق كان الليل غيار سقاهم الوجد كاسات السرى فغدوا * منه سكارى كأن الوجد خمار مقلدين سيوفا من عزائمهم * مدرعين دروعا وهي أستار ناموا قعدت قليلا بت فانتبهوا * يا ليتهم أيقظوني عندما ساروا تشتاقهم كل أرض ينزلون بها * كأنهم في بقاع الأرض أمطار لكن خواص الخواص رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين رفضوا الكرامات ، ولم يعبؤوا بها ولم يرضونها ، بل طلبوا من اللّه تعالى حسن النظر إلى وجهه الكريم ؛ لأن ذلك أعلى مقاما عند القوم كما قال اللّه تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ ( 22 ) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ ( 23 ) [ القيامة : 22 ، 23 ] .