ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

89

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

عجبا لك إلى أين تهرب ، وأين ملجأك وأنت تطلب وتسعى فيما ليس لك وتترك باق ينفعك ، لا المواعظ يا جسد تنفع فيك ، ولا صفيت ولا وعيت ، لا المواعظ تنفع فيك ، يا جسد حاضر فيه قلب ميت يا ميت القلب ، يا كثير الذنب ، كم تجرأت ؟ ! أما حان لك أن تعرف قدر ما أخطأت من الذي أنعم عليك بعد أن كنت نطفة مدرة « 1 » بين أظهر رفاة ، فإنما خلقتك من نطفة وصورتك ؛ لتكن ممن اقتدى فاهتدى بعد أن كنت في بطن أمك وحيدا فريدا ، أخرجتك من بطنها صحيحا سليما وعطفتها عليك حتى قامت عليك سنتين ، من أحلى لك اللبن ؟ ولذذت لك الطعام والمنام والشراب ، فلما كبرت ونشأت استعنت برزقي على معصيتي أغرك حلمي فجهلت ، أغرك كرمي فأخطأت لتنظر نعمتي عليك كيف جعلت لك أنعاما وبنين وخيلا راتعين ، لما رزقت ذلك اشتغلت بالمخلوق عن الخالق ، وأعجبك بريق لميع ذهبك ورزقك وحب ولدك ، فآثرت المخلوق على خالقك ، ونسيت الذي صورك ، فغدا يبين لك إن كان ينفعك مال أو ولد ، أو يشفع فيك شافع حتى آخذ منك حقي ، وينضج منك بالحريق الجسد ، انهض من نومك فكم تنام لا بد أن تنام نوما طويلا تزود إلى الرحيل ، فزادك قليل ، أما تستحي منا أما تشكرنا على نعمنا ، بصرك سليم ، وسبحك قويم وسمعك مستمر ، وشمك يشم النسيم ؛ لتخدم ما خدمت ، ولا وعيت ولا استمعت ولا سمعت إذا كانت نعمنا عليك وأنت تعصينا فكيف نعمنا عليك إذا أطعتنا ، يا عاصي يا قاسي القلب يا كثير الذنوب تب إلينا حتى عليك نتوب واخلص ضمير الاجتهاد ، واطلب تجد وجد ووحد وتفكر في الموت وسكراته والقبر وحشراته والموقف وحسراته ، فإن الموت بسكينه يذبح ما طاب منكم [ واجباه ] « 2 » ، إنكم كالغنم والذابح يأخذ منكم كبشا بعد كبش وأنتم تنظرون كيف يذبحه ، وقد أفنى ذابحكم كثيرا منكم فتيقظوا قبل مجيء نوبتكم وتحد سكاكينكم ، ويسجر تنوركم فما أشد غروركم ، وما أكثر غفلتكم وفجوركم ، وما أكثر تقصيركم ، فما ينفعكم لهوكم فقد صبوتم وغفلتم ونسيتم من ليس ينساكم يا مساكين ، أين آباؤكم وأين من كان قبلكم ؟ ! ما ألهاكم ، توبوا تربحوا وأقلعوا عن الذنوب الآبقة تفلحوا ، ولا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم باللّه الغرور ، فليسمع المسكين الغافل ، وليكن عاملا ولا يكن بطالا ، ويقنع بالمحال ، فسددوا وشمروا وأقلعوا عن الذنوب ، وتوبوا إلى اللّه توبة نصوحا ؛ فإن

--> ( 1 ) مدرة : الطين اللزج المتماسك . ( 2 ) كذا بالأصل .