ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

90

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

اللّه تعالى يفرح بتوبة التائب كما يفرح أحدكم بضالته إذا ردت إليه ، من أقبل إلى اللّه أقبل اللّه إليه من عامل اللّه عامله اللّه ، ومن حصل له العمل وسمع فوعى وكان من أهل التقوى فإن الأمر ما هو سهل ، فتأهبوا وجدّوا ليوم المعاد فإن الموت طالبكم ومجتهد في تحصيلكم تحت أطباق الثرى ما من يوم إلا وملك الموت يقول : أتصفح وجوهكم في كل يوم خمس مرات ، فإذا وجدت الإنسان قد نفذ أجله وانقطع عمله ألقيت عليه كرباتي وغمراتي « 1 » فمن أهل بيته الناشرة شعرها والصارخة بويلها والباكية بشجوها ، فيقول ملك الموت : ويلكم فيما الفزع وفيما الجزع ما أذهبت لواحد منكم رزقا ، ولا قربت له أجلا ، ولا أتيته حتى أمرت ولا قبضت روحه حتى استؤمرت ، ثم إن لي فيكم عودة ثم عودة حتى لا أبقي منكم أحدا ، والذي نفس محمد بيده لو يسمعون كلامه أو يرون مكانه لذهلوا عن ميتهم ، ولبكوا على أنفسهم حتى إذا حمل الميت فوق النعش رفرف روحه وهي تنادي : يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال من حلّ ومن غير حلّ ، وخلفته لغيري فالهنيئة له والتبعة علي ، فاحذروا مثل ما حلّ بي ، لقد أسوأ حالي ، ذلك ما أقله لو علمه العاقل حصل له المقصود ، ولكن نودعك أمانة اللّه ورسوله إلّا عملت ولا تخرج عما أمرك ولا عما أمرك ربك ولا تشهر نفسك بطريقنا ، ثم تجيء لنا وأنت مسيء ، فيكون اللّه خصمك وخصم من استهزىء بنا ولم يتب ويسلك طريقنا ولعب أو كذب ، وإذا كان أحدكم لا يتعظ ولا ينفع فيه الوعظ فلا يلم بنا ولا يمشي في ركابنا ، بل يكون منفردا عنا فإن كان قد أتانا وقصد جنابنا فما نحبه لا يكون إلا شاطرا ، ولا نودعه السر إلّا أن يكون مليح الشمائل ، ومن خاف لا كان ، ومن الفضيحة وقلة المروءة والتجرؤ على رب البرية أن أحدكم يأتي بأحدكم عبدا من عباد اللّه فيستمطر مواده ، ويرتشف مواهبه ، ويتنسم معالمه ، ويزعم أنه أتى ليغترف من بحر علمه أو يقتدي به وبعلمه أو بعمله فيقصدنا لنكتب له ويشهر بهذا نفسه بين البرية ، فإن اللّه تعالى لا يحب أهل الغدر فإن من مكر فإن اللّه خير الماكرين ، وإن نكث واستهزىء فقد قال اللّه تعالى وهو أصدق القائلين : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 15 ) [ المرسلات : 15 ] . فإن كنت تدخل تحت طريق الأمر فانشر مواعظك إنما هي مواعظ لعلها تنجع فيك وإن كنت مالك عزم أنت وكل من سمع كلامي فناشدتكم باللّه لا تسوؤا طريقي ،

--> ( 1 ) غمرة الشيء بالفتح : شدته ومنهمكه كغمرة الهم والموت ونحوهما . وغمرات الحرب والموت وعمارها : شدائدها . ( لسان العرب ) .