ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

74

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

لأنهم يرجعون من ملاحظات الأسرار بأعين بواطن الإضمار وبصائر قلوب الاطلاع ، فيميلون ثم يعظون فيسري سر وجدانهم إلى أعين عيان ظاهرهم وباطنهم . فأما من لحظوه بعين الرحمة سعد وأفلح ؛ لأن النور المكتسب الذي في أعينهم [ يمق فيحق فلك من مقت عنه ] « 1 » فوضعت في بدن من نظرته لمعته ، وأفادته بركة ، وعرفته فراسة ، وسلكته طريقة ، وأعنت وأغنت ، وهي سبب للوصلة بين خلق اللّه في اتصالهم ، أي عجب ، فلا تدعهم يفتنوك ولا تتخيل ولا ترتاب ولا تتمعن معناهم ، بل سلم لمن أحسنت الظن منه ، وسلّم لتجلى عليك معاينة ، فإن رأس مال الطالب المحبة والتسليم وإلقاء عصا المعاندة والمخالفة والسكون تحت مراده وأمر شيخه وقدوته وأنجاده ، فإذا كان المريد كل يوم في طلبة ومحبة وتسليم سلم من القطع ، وكفي شر المنع ، فإن عوارض الطريق وعوائق الإفادة وعقبات الالتفاتات والإرادات هي تقطع عن المدد وتحجب عن اتصال فائدة الإفادة ولكن التوفيق عزيز ، لو سلّم الناس كلهم وسلموا واستقاموا ولكن لما منعهم مولاهم سلط عليهم عوارض عرضت لبواطنهم وظواهرهم ، فوقفوا متحيرين غير متحققين ، ومتأولين لمعنى يصلون ، وبقوا صورة لا معنى ولا أسماء لا فائدة ولا رسما ، ومن لزم باطن سره أن لا يختلج أو يتبهرج ، وكان خائفا من الحضرة أو الالتفات إلى طبع البشرية ، فأهل اللّه ومن أحب اللّه أخلاقهم أرق من نسيم الجنوب ، وأنفع من هبوب الصبا المسكوب ، وما أوجب ذلك إلّا أن الخلق إن رأيناهم فيما هم فيه قصدنا أن نذكرهم بآلاء سيدهم مولاهم فإن اللّه تعالى يقول : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) [ الذّاريات : 55 ] فيا من أحسن أن يعامل مولاه لا تقع في علم ما لا تدريه ولا في حديث ما سلكته ولا مارسته فإن القوم يتحدثون بلسان التمزيق ولسان التحقيق ، وأنت تتحدث في طرق لسان الكلام وتقع فيهم بلسان راحلته ، كفى بك البطالة والوقوع فيما لا يلزمك ، فإن علم قوم لا عرفته ولا عرفتهم ، ومالهم لا سلكته ولا فهمته ، وأسرارهم ما وصلت إليها ولا أدركت معانيها ، أفتعوم البحر ولا أنت عوام ؟ وأنت يا قليل العوم تغرق فتحترق وتخطف فترجف ويكون موتك موتة جاهلية ؛ لأنك ألقيت نفسك للمهالك والحق حرم ذلك ، فقال عزّ من قائل : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] . وأنت يا هذا مخالف ويكون حديثك إلّا مع أقرانك ، فدع ما يلزمك إلى أن وقفت ، فأحسن ما أمرك به أن تطلب دعاهم وبركاتهم ، وتلمس فائدة صلواتهم

--> ( 1 ) كذا بالأصل المخطوط والأصل المطبوع .