ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

60

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

بكلاب من حديد يخرق شدقيه كلما انتهى إلى شدق رجع الآخر كما كان ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قالا لي : انطلق فانطلقنا ، فأتينا على رجل قائم وبيده حجارة ، ورجل ملقى ، والقائم على ذلك الرجل يفدغ رأسه بالحجارة كلما انتهى إلى حجر رجع رأسه كما كان في الأول ، قلت : ما هذا ؟ قالا لي : انطلق فانطلقنا ، فأتينا إلى بحر من دم فيه رجل يسبح كلما انتهى السابح إلى شاطىء ذلك النهر وجد رجلا على شاطىء ذلك النهر يلقمه حجارة ، ثم يغمسه في ذلك النهر ، فقلت : ما هذا ؟ قالا : انطلق فانطلقنا ، فأتينا على روضة خضراء ، وبها رجل طويل وحوله ولدان كثير ، فقلت : ما هذا ؟ قالا لي : انطلق فانطلقنا ، فأتينا بناء لبنة من ذهب ولبنة من فضة فاستفتحنا باب ذلك البناء ففتح لنا ، فقلت : ما هذا ؟ قالا : هذه الجنة ، قال : فما بال الذي تخرق شدقاه ؟ قالا : الذي تكلم بما لا يعنيه أو سمع كلاما فيبلغه إلى غيره ، وأما الذي يفدغ رأسه بالحجارة فحافظ القرآن وقيل : حامل القرآن ، وقيل : الذي علمه ولا يعمل بما فيه ، وأما الرجل الذي يسبح في بحر من دم والرجل الذي يلقمه الحجارة ويغطسه في ذلك النهر فآكل الربا والسحت ، وأما الرجل الطويل فأبونا إبراهيم الخليل والولدان الذين حوله فهم كل من يموت على فطرة الإسلام » « 1 » . والشريعة هي الحقيقة فعالم باللّه ، وعالم بأمر اللّه ، فأما العلماء باللّه فأهل الحقائق والدقائق والوثائق والرقائق ومعرفة أسمائه وصفاته . وعلماء مع اللّه وهم أهل معرفة الخوف والرجاء والسهر والبكاء ؛ لأن من عقل علم ، ومن علم حلم ، ومن حلم حكم ، ومن حكم أبصر بنور قلبه ، ومن أبصر بنور قلبه غلبت حكمته على جهله ، فرقي إلى العالم العلوي وقرب إلى الخمار السنية ، وسطر له منشور معنى كرامات بيان وخيرات ، ويكون اللّه له حافظا وناصرا ، ويفتح له فتحا مبينا ؛ لأن النفس إذا انفردت تفكرت ، وإذا تفكرت تقيدت وإذا تقيدت هطل عليها العلم النفسي فنظرت بالعين النورانية ، ولحظت بالنظر الثاقب ومضت على الشريعة المسنونة فأخبرت الأشياء قبل ورودها وذلك معنى قوله : وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً [ الكهف : 65 ] لأن السالك أول باب يفتح له باب التوبة مع الإخلاص ، ويأخذ من العلم ما يحبه في فرضه ونفله ، ولا يشتغل بالفصاحة والبلاغة ؛ فإن ذلك شغلا له عن مراده بل يفحص عن آثار العالمين في العمل ويناظر ، ويتوكل بلا عين تطرق أو تطرف ، ويذكره بلا لسان ولا حركة ولا حرف ، ويغرس شجرة الإخلاص بقلبه ،

--> ( 1 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع .