ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

22

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

وجوهم بهية وقلوبهم مضيئة ، وأعمالهم مقبولة مرضية ، حين أدرك نودي عليها : حي على الفلاح ، ساروا يجدّوا النهار والليل من خوف العقاب والويل ، قد تشعشعت قلوبهم وضعفت أبدانهم ، ولم يبق فيهم حيل ، لكنهم صناديد صحاح لقوا في طريقهم معاطش ومهالك فتألموا لذلك ، نودي عليهم من طريق ناسك أن يكون سالك لكي يظفر بالنجاح ، فتجرّعوا كأس الصبر وعظم عليهم الأمر ، فلاحت لهم لوائح السر ، هكذا أهل الصلاح يتنشقون ولبابه واقفون حيارى ذاهلون سكارى داهشون حزانى باكون متمزقين ومتقطعين متشعثين متململين ، وقد وقفوا ببابه وعليهم السلاح فوقفوا متململين موبخين لأنفسهم ، ويزعمون أنهم مقصورون في عددهم وعدتهم وسيرهم والصفاح « 1 » فوقفوا ما شاء اللّه ينظرون ما يفعل اللّه خائفين هل يطردهم أم يقبلهم اللّه ، فهم بين ذلك يتناجون وقد سمعوا مناديا يقول : قد قبلناكم يا ملاح نودي عليهم ألجوا الباب يا جميع الأحباب بخضوع وخشوع وآداب واحذروا من الكبر والإعجاب ، فقد قبلناكم ، فمن شاء فليدع على خدمته ومن شاء استراح . فقدموا وقد كشف لهم الحجاب ، وفتح لهم الباب ، وبسط لهم بساط الرضى ، مذهبا ومفضضا ، وأخلع عليهم خلع القبول والعطاء ، فخفقت على رؤوسهم الأعلام بإذن الملك العلام ، وقع لهم المناشير فكل منهم على ما وقع يسير ، خائف من هول يوم عسير أزال السماوات والأرض يا صاح ، فبعضهم قطب وبعضهم وتد ، وبعضهم بدل ، وبعضهم ولي ، وبعضهم خليعة ، وبعضهم صالح ، وعقدت لهم الأعلام على أعلى الرماح ، فبعضهم من هول المشاهدة اختلط ، وبعضهم خرّ مغشيا سقط من هول ذلك الأمر جسده وأعضاؤه وأحواله وتخبطوا وتدق في صدورهم الأرواح . آه ، ما أمر شرابهم وما أحلاه ، وما أشده وما أهناه ، وما أحسنه ، وما أسناه وما أنفعه للقلب ، وما أقتله للأشباح ، شراب عتيق أخذ من مرق قلوبهم وأجسادهم تتمزق ، أورثهم كيدا وجهدا ، لكنهم شربوا ودارت عليهم الأقداح ، حزنوا وبكوا ، وجاعوا وصاموا ، وقاموا وسعوا فأيامهم كلها أفراح ، حفظوا من الغيبة ألسنتهم والمسامع ، وفروجهم من العنت والقواطع ، وأيديهم من السرقة والتوابع ، وبطونهم من الحرام وأبدانهم من الآثام والنكاح ، فقطعتهم سيوف المجاهدات وكثرة الوحدة والخلوات وتلحفهم في الحر والبرد العراء وتشعثهم ، فما أحسن هذه الصفات إنها لصفات ملاح ، ولا يرضوا بدرهم ولا دينار ولا قصور ولا أشجار ولا دنيا ولا شيء من هذه الأزهار إلا حرب وجهاد وكفاح .

--> ( 1 ) الصّفاح : السيوف .