ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

23

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

تقلدوا بالقضب « 1 » والأسل « 2 » ولم يأخذهم في عبادة اللّه ونىّ « 3 » ولا كسل ، وداوموا على العمل ولم يلحقهم فشل ، خافوا من قرب الأجل فقطعوا في أنفسهم الأمل ، وتقلدوا بالصفاح ، فتح لهم كنزا لا يفنى وملكا لا يبلى ، وأعرض عليهم ما في الحياة الدنيا ، قالوا : زهدنا ربنا ، وليس نطلب غير هذا الافتتاح ، تلوا كتاب اللّه تعالى فأخذهم الوجل متعففين بزهد وعمل يخافوه ، فكل منهم دمعه على خده هطل ، منهم مالك حاله ، ومنهم عبد حال قد جلب وصاح ، زفيرهم أشد من الزمهرير ونارهم أشد من عذاب السعير ، فاللّه لهم حافظ وأمين ، لم يطلبوا سوى مولاهم رجال صحاح ، غرست في قلوبهم شجرة المحبة أصلها التوحيد وفرعها السنة وثمرها الحقيقة والمعرفة ، فتجلى لهم لما عرفوه نوح ألاح ذاقوا وراقوا فكروا من غير مدام في أقداح ، هي لم تبق فيهم لغيره بقية فأرواحهم بهية روحانية لطيفة ونورانية خفيفة تجول في الملكوت وتشاهد الحي القيوم الذي لا يموت ، ثم تستنشق نسمات هبوب المحبوب ما يتصلون به إلى غاية المطلوب فيتعيشون بتلك الأرياح ، فطريقهم تسقم الأبدان وتدع الأحباب ، ألا لد الشباب في الإعجاب ، فلا يحصل لهم ما فيه ، حتى قلوبهم من أجله تذوب فتقطر دموعا فيبكونها بحرا كالأقداح ، فإن كنت يا سامع الوعظ يا عمي الألحاظ يا من له في صفات القوم وصف ولحظ تريد تلحق بهم فاتبع سيرهم وافعل كفعلهم ولا تخالف أمرهم تظفر بالفلاح وكن ميتا حيا ، واشرب كأس الحميا ، واخرج عن الدنيا ، ولا يكن لك فيها سوى شيء تتوصل به إلى الآخرة فاجعله له مفتاحا ذكروه بالإجهار واستغفروه بالأسحار وعبدوه إسرارا وإعلانا وأحجارا حتى اختلط بشعرهم وبشرهم فجرى منهم مجرى الدمع في عروق الجثمان ، فقام كل عضو منهم يذكر اللّه بلسان تسمعه أرواحهم فأغناهم عن ذكر أفواههم وتحريك أشفاههم والإنطاق والافتتاح لما ارتقوا في أعلى الدرجات ونالوا غاية الكرامات فبقي صومهم ملاحظات الحقيقات ، وضمنهم ببواطنهم لأنها محل الرب العظيم إله السماوات ، فلا المحجوب المعبود موقوف في الظواهر ، لكي يناله أعلى المنابر ، وحف بهم بحر الحب ، وحولهم ساح يهطل على قلوبهم من السماء ، موائد تبصرهم من العمى ومواهب .

--> ( 1 ) القضب : الشجر الرطب . ( 2 ) الأسل : الرّماح والنبل . ( 3 ) الونى : الضعف والخور والفتور والكلال والإعياء ( مختار الصحاح للرازي ) .