ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
185
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
فصل آخر من كلام سيدنا ومولانا وشيخنا وقدوتنا إلى اللّه تعالى برهان الملّة والدين إبراهيم القرشي الدسوقي قال : هذا كتاب إلى كل من يقف عليه من أولادي ، وغيرهم ويقرأه ويصغي إليه ، فاض على بحر الكلام جوهر النثر ودرر النظام ، وفصيح اللفظ التام ، كلام من فتوح الغيث يثبت الإيمان ، ويذهب الريب ، إني ، وجدت العلم المكتسب يحصل من الكتب ، فلم يكن ذلك أربي ، غير أني توكلت على ربي ، فوجدت أفضل العلم علما من الحي القيوم ، ولقد تقدم ذلك البيان « لآدم والخضر » عليهم السلام ، إذ قالت الملائكة : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 33 ] مع قدم خلقهم وعز علو قربهم وطاهر عملهم ، فقذف في قلوبهم آدم السر المكنون ، وعلمه ما كان وما يكون ، وذلك ليعجز علماء الملائكة وكبراهم ، قال : يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ [ البقرة : 33 ] ثم إن موسى صلى اللّه على نبينا وعليه كان عالما بالشريعة الطاهرة ، وقد خطر أنه لم يكن أحد أعلم منه في فعله وقوله ، فأوحى اللّه إليه : أن لنا عبدا يسمى « خضرا » ذو عقل وفهم ، وآتيناه من لدنا علما ، فجرت الحكاية المشهورة لهما « موسى » يحكم بالشريعة « وخضر » يحكم بالحقيقة في قصة السفينة ، وقتل الغلام وإقام جدار الأيتام ، فكان سؤال موسى للخضر : لم أقمت الجدار حتى تتخذ عليه أجرا ، فقال لموسى الخضر : إنك لن تستطيع معي صبرا ، وأبلغ العلم ، وأحسن الصدق ، جمع الجمع ، فمن أراد سلوك الطريق وبلوغ الحقيقة ، فليركب جواد العزم ، ويحتزم بالصبر ، ويعتصم في السر ، ويصقل قلبه بأنواع المجاهدة ويشرب شربة الحب لكي ينال القرب لقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب » « 1 » بيت الرب . وقال بعضهم : نور الإيمان أضوأ من الشمس والقمر ، فإذا أنعم اللّه على عبده عمر بالمراقبة ، ثم يتولد من المراقبة والمشاهدة والمجالسة والمؤانسة ، فعند ذلك يخلع على العبد خلع القبول ، ويعطى العلم الموهوب الذي هو روح العلم المكسوب ، وتضمحل حجب النفس ، فيحصل النظر الثاقب والعلم والحقائق والشرائع
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .