ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
181
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
أبوك آدم لأجل حبة تكدرت عليه بلسم ، وعلى كرمه تغير عليه أمر المحبة ، وعلى برة تعكس عليه سره ، وعلى سنبلة ضاقت عليه نسله ، وعلى كرة تغير عليه أمره ، ولما حلت البلية وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 22 ] فانقلعت تلك التيجان ، وتمزقت حلل الإحسان ، وذهبت بهجة الامتنان ، وطفي نور إشراق كان ، وأظلمت مسالك مشارقة والأركان ، وبدت سوآتهما مكشوفتان ووبختهما الملائكة ، ونادوا عليهما بالعصيان ، وحلّ بهما الخجل وانكسر ناموس العمل ، وبطل حسن الإمضاء وأظلمت طرقات العضاء ، وناداهما المولى الذي له الحكم والقضاء : يا آدم ألم أسجد لك ملائكتي ، ألم أزوجك حواء أمتي ، ألم أسكنك في جنتي ، ألم ألبسك الحلي والحلل والتيجان ، ألم أبح لك اللبن والعسل وسائر الألوان ، ألم أخلقك أجمل الإنس والملائكة والجان ، ألم أقلدك بوشائح الامتنان ، ألم أجعل في خدمتك الأكوان ، ألم أنعم لك نعمتان ، ألم أبح لك جنتان ، ألم أرفع لك قدر ، ألم أعظم لك أجرا ، ألم أودعك سر عجزت به الملائكة ، ألم أحسن إليك بالدلال ، ألم أرزقك حرمة الحلال فخالفتني بعد أن أقسمت إن عصيتني وعرفتك أن الشيطان الذي طردته وأبعدته وأبلسته وأخرجته هو يحسدك ولسقوط منزلته يحب يسقطك ، فتبعت عدوك ، وخالفت ربك ، فإني لم أعاديه إلا فيك ، فبكى آدم وتضرع تضرع ألما وبذلة ، وقلبه مرجوف بعد أن كان ملكا عاد مملوك ، بعد أن كان يسجد له الملائكة عاد يخصف عليه من ورق الجنة . . آه آه آه آه . . وآه ، كيف تعمل كيف الخلاص إذا كان هو الحبيب المقرّب بمعصية واحدة أبعده مولاه ، وأسقط منزلته ومثواه ، وأهبط إلى الأرض بعد أن كانت الجنة مأواه ، إذ قال له فلما اشتد بأبيكم الأمر وضاقت عليه النسم قطع يمينا وشمالا ، فإذا بشيء مكتوب على ساق العرش وهو « لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه » فقال : اللهم بحق من قرنت اسمك باسمه إلا غفرت لعبدك ذنبه وقبلت توبته فقال له : لأجل من به استعنت به قد قبلناك ، ولكن اهبط من الجنة أنت وعدوك وزوجك ، فأخرجه من النعم إلى حرث البقر والسواد والحال الذميم والحراثة والدراسة والزرع والقرع والشقاء والتعب والنصب ، فكيف ببعدنا ومخالفتنا وعصياننا ليلا ونهارا وصباحا ومساء ، إذا كان أبونا المقرّب المدلّل أخرج من الجنة لأجل حبة ، وإبليس طرد وحرم لأجل سجدة فكم لنا من كل الألف ألف ولم نعقل عن الألف ألف سجدة فكل صامت هذه عنده فائدة منه ، لكن فضل اللّه يلحقكم وله المنّة ، فقد قال : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [ آل عمران : 28 ] وقال : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [ الأعراف : 156 ] وله الرحمة وله المنّة ، نحن طامعون في جوده وآمالنا به أن يغفر كل زلة ويكون ذلك ببركة سيد الملّة .