ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

180

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

وأبعدته وأقليته أنا العظيم الحكيم ، اخرج منها فإنك رجيم فقد أبلستك ، وطردتك وأبعدتك ، وكذلك من خالفني وعصاني ، يا آدم هذا كان طاووس ملائكتي وصاحب إمامة تقدمه ملائكتي له من الخدمة كثير ، وله من العبادة والعمل ما هو كالبحر العزيز ، فلما عصى أمري وخالف سلطاني أبعدته ولا أبالي وأقصيته ، وله في الآخرة الخزي وفي الدنيا ، كما أنه اتبع البغي . يا آدم اعلم أنه عدو لك ولزوجك ، واعلم يا آدم أن ما عصاني أحد إلا اقتصيت منه فإن كان مما يوجب بعده أبعدته وأحرمته ، وإن كان مما يوجب توبته تبت عليه وقبلته فإني لرؤوف بالعاصي أن لا يتمزق هيبة سطوتي ، ويتم الخلق على حرمتي وأخذ الحق من الجاني ، ولا يغرنكم كرمي ، فإن الحق والحق أقول ، من عصاني قليته وجفيته وعذبته وأحرمته فاعلم يا آدم ذلك ، فلما لبس آدم تيجان فخره ورفل في أذيال عزه ودخل الجنة ساكن تحت عرشي داخل إبليس على [ لمقوط ] « 1 » منزلته وبعده وقرب غيره ، وقال : بعثت وطردت وأبلست ومقت ، وغيري قرب وما أوتي علي إلا بسببه ولا سقطت منزلتي إلا لأجله فلأكيدنه ولأكيدن نسله ، فأخذ يوسوس ويتحايل ، ويغش حتى حامل فنصب في فم الحية ، بحيلة ثم عبر وقعد بين أسنانها وقال لها دعيني أكلم حواء على لسانك ، وأعلمك كلمات لا تموتين ولا تفنين ، فنافقت الحية وأجابته لذلك ، فأتت الحية لحواء وهو في فمها فقال على لسان الحية : يا حواء إن في الجنة رجل يحفظ الكلام ، ثم إنه يقول إن في الجنة شجرة من أكل منها لا يفنى ولا يبلى ، فحسّن لها العبارة ، وكان أمر اللّه قدرا مقدورا ، فأتت الحية حواء ، فخرج من فيها ، وتحيل عليها ، وتصور في صورة رجل شيخ كبير السن محدوب ، فقال لها : يا حواء من أكل من شجرة الخلد لا يموت ولا يبلى ولا يهرم ولا يفنى ، فحلفته فحلف ، وقاسمهما إني لكما من الناصحين ، فدلاهما بغرور وشهادة قول وزور فأخلت سنبلة ، وكان تقدم ذلك أن اللّه تعالى قال لآدم : أن يا آدم ابحث لك جنتي ، فكل ما شئت إلى شجرة الخلد ، فاجعلها لك ولذريتك المؤمنين ولا يأخذهم المخاض ، ولا يلحقهم فتر بل هم أحياء مرزوقين منعمين مخلدين ، ولكن هذا ادخرتهم لنفسي ، فإن خالفت لأقلعن تيجان حرمتي عنك ولأضعن رفعتك ولأهبطن منزلتك ولأجعلنك مثلا للأولين والآخرين واحذر النفس والهوى فغلب القضاء ، وعمى بثر الاستقصاء خير من لسان الفصحاء فأتت حواء لشجرة الخلد فأكلا منها فنودي وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى [ طه : 121 ] يا هذا

--> ( 1 ) كذا بالأصل وهي مبهمة .