ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

173

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

واعلم يا أخي أن الطريق أول ما تقبس جذوته القبس ؛ لتقد نار نور المعنى ولا يحصل النور في القلب إلا بفضل علّام الغيوب ، فإذا صفت المعاملة وصدقت التوبة وأخلصت السريرة قامت الأعضاء ، فلكل عضو مجاهدة ، وعلى كل عضو حق وزكاة ، فالتائب السالك الذي يحب السلوك والتسليك يستعمل الحمية ، ويداوم على تجريد الباطن من البطشة ليحصل له الشربة ، فإن الأوجاع والعلل كثير بالجسد ، فما يحجبك إلا علل في النفس ؛ فإن العلماء والحكماء متحدثون في علم الأديان والأبدان وكلاهما عبارة عن الآخر ، فالتحجب لسماع اللغط والهوى والغناء وصوت الطرب والزمار أو حرام حرمه الشرع ؛ فإنه من داء السماع الذي هو ضد علم الأبدان ، فإن أصل الدماغ مركب طباقات وشبكات ونخاع ومستحدث في الآذان ما هما من الرأس ، فالعلماء والحكماء كل منهما له قول ، فمنهم من قال : من الرأس ، ومنهم من قال : من الوجه ، والحكماء يجعلون الدماغ محل الحس والحركة والشم والذوق والنطق والسمع والبصر ؛ فإنهم يقولون : إن لكل شيء أم وأم الجسد في الرأس ، فعندهم إذا عرض للدماغ عارض من هواء أو ماء فيسمونه نزلة فيصيب من العلو إلى الأعضاء ، أعني الفاه والآذان ، لأن الصمم لا يحصل في الآذان إلا إذا ورد على السمع شيء من حوادث الطبقة ، لأن محل الآذان عرف مجوف واحد فهو السامع ، فإذا حصل له هواء وبله يسمى خلطا ، فإذا رعى مسمعه وعلو طبقته يسلم محل الانهباط ، الذي ينصب منه الأذى وإذ لم يتحفظ بقول الحكماء لم ينجح فيه الدواء وتحكم عليه الداء فصمّ أذنيه وقوي الهواء والخلط عليه ، وأما نظير فقد قال اللّه تعالى : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) [ البقرة : 18 ] أصمهم أذاهم ومنعهم هواهم وتحكم عليهم غيهم وبلواهم فاشتدت مسالك سماعهم فصمّوا بقلوبهم وبآذانهم وتأتي طبقتهم . أما المحققون ، فقد حذروا من قول سيدهم ونبيهم ورسولهم وشفيعهم ، الذي فضله قد عمّ فقال صلى اللّه عليه وسلم : « الحب يعمي ويصم » « 1 » أما هؤلاء المحققون فهم عن استماع اللغو وعن استماع اللغط والغيبة والوقيعة ، وعن الدنيا وعن سماع حديثها وحديث أهلها صم ، فاختلطوا وذهلوا فدهشوا ، فلو سأل المحب في حال حضرته وحضور قلبه أو ناديته ما سمع أو كلمته أو قلت أو ناديت جع سمعهم عن سواه وطهر آذانهم

--> ( 1 ) رواه أبو داود في سننه ، باب في الهوى ، حديث رقم ( 5130 ) [ 4 / 334 ] ونصه : « حبك الشيء يعمي ويصم » ورواه الطبراني في المعجم الأوسط ، حديث رقم ( 4359 ) [ 4 / 334 ] ورواه غيرهما .