ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

174

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

ومسامعهم فلا يسمعون إلا كتابه أو مدد عطائه بكم عن كلام الدنيا ، قال اللّه تعالى في قصة مريم : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [ مريم : 26 ] إلا أن يكون ذكر اللّه وقراءة كتاب اللّه ، فإن الرسول يقول : « ومن يصمت يسلم ومن يقل الخير يغنم » « 1 » وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أكثر الناس ذنوبا أكثرهم كلاما فيما لا يعنيه » « 2 » وقد قال في ذلك : « الصدق جنة ، واللسان أكبر ، والصيام جنة ، واللسان أكبر ، إن الكلام ليرعى الحسنات كما ترعى النار الحطب » « 3 » بكم إنما لم أطلعهم على حبه ، فلاح لهم لوائح وروائح ولوامح وجوامع المجامع ومع الجمع ، واما عمي فلما أبصروا بأعين قلوبهم وشاهدوا مطلوبهم ، فغابوا عن أجسامهم ، وتلاشت أرواحهم فهم صم بكم عمي ، اسأل المحب المشتغل قلبه بحبه أو بربه ، فهو عن غيبته لا يسمع ولا يبصر ولا ينطق إذا تجلى له ، لو أظهر منه ذرة على الجبال لتدكدكت ، لكن لهذا دليل نبوي مشروع ، قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه ينظر على قلوب أوليائه في اليوم والليلة اثنين وسبعين مرة » « 4 » فيا لطفه ، وإلا الجبل ما يطيق حمل ذلك ، كما قيل : إن اللّه تعالى إنما أبرز من نوره ذرة واحدة من اثنين وتسعين ذرة من سم الخياط فتدكدكت الجبال ، وكما حكي عن عيسى صلى اللّه على نبينا وعليه : أنه مرّ بقلة « 5 » عابد فقال : يا روح اللّه اسأل ربك أن يرزقني ذرة من المحبة ، فدعا له ثم انطلق فأتاه بعد قليل ، ثم أتى على الجبل ، فوجد القلة قد غارت إلى أسفل الجبل ، فنزل عيسى صلى اللّه على نبينا وعليه في أسفل البئر فوجده قائما داهشا غائبا ، فسأله فلم يجبه ، وسلّم عليه فلم يرد عليه السلام ، فدعا اللّه له أن يكلمه ، فناداه فأجابه فقال له : ما منعك عن الجواب ؟ قال : المحبة منعتني ، فأوحى اللّه إليه أن يا عيسى إن هذه المحبة مدخرة لأولياء أمة النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا معنى الحب يعمي ويصم .

--> ( 1 ) لم أجده بلفظه فيما لدي من مصادر ومراجع وروى الترمذي في سننه ، كتاب صفة القيامة باب ( 50 ) حديث رقم ( 2501 ) [ 3 / 383 ] عن عبد اللّه بن عمرو قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من صمت نجا » . ( 2 ) رواه الديلمي في الفردوس برقم ( 1462 ) [ 1 / 362 ] ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظه : « أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم كلاما في معصية اللّه » حديث رقم ( 34659 ) [ 7 / 120 ] ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت ، باب النهي عن فضول الكلام . ( 3 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 4 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 5 ) القلّة : رأس كل شيء ( العين للفراهيدي ) .