ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
162
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
فصل آخر في موعظة لبعض أصحابه رضي اللّه عنه وعنا به قال : يا هذا اسلك طريق النسك على كتاب اللّه وسنّة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والحج إلى بيت اللّه ، والمعاملة للّه تعالى قولا وفعلا ، فإن اللّه تعالى يقول : وَأَقِمِ الصَّلاةَ [ هود : 114 ] فكن على الصلاة محافظا ، وعلى الطاعة مداوما ومكاثرا ، وللحج ساع للقراءة والوعظ ، واع ولا تقرب الحرام ولا المدام الحرام ، ولا الكلام الحرام ، ولا الفعل المذموم ، ولا البغي ولا الكلوم ، ولا تسعى إلى في الأجر ، وملاحظة الباطن ، وتنظر ما عملت في يومك وليلك ، فإن الأملاك الحفظة يكتبون عليك ما أنت فيه ، وما تتكلمه وتعلمه وتوعيه ، ولا تسود كتابا يكون ديوانك ، ولا تضيع ما لك فيما عليك ، وكن صموتا وقورا صبورا شكورا ذاكرا لآلاء اللّه ، وسنّة نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ولا ترجع إلى ما خرجت عنه ؛ فإن التائب ما لم يكن يخرج عن الإثم والفواحش والكبر والشوب واللعب والهو والزهو ؛ فإن اللّه تعالى يقول : أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [ الحديد : 20 ] ، فالفقير المشتغل باللّه تعالى لا ينظر إلى الزخارف ، ولا إلى اللهو ، ولا إلى الدنيا ، ولا إلى المطالب ، ولا إلى المطايا ، ولا إلى المراكب ، ولا إلى القماش ، ولا إلى الرئاسة ، ولا إلى الرفعة ، ولا إلى الحظوظ الدنيوية ، ولا يكون إلا صادقا صالحا . لا تسلك إلا ما سلكه الشرع الشريف ، ولا تعدل عن ذلك ؛ فإن ثمن الجنة رخيص غال وثمن النار عار فمن شرب أو اشترى مسكرا فهو من ثمن النار ، ومن لعب بالقمار والنرد والشطرنج والكعاب والأنصاب والصور والتماثيل فهو حرام ، ومن أكل حراما وقف عليه ووهن دينه ؛ فإن الحرام في الكلام يفسد على المبتدي عمله ، والطعام يفسد على العامل عمله . المبتدي ضعيف لا يكون يعاشر أهل البدع ولا أهل اللعب ولا بمن يحصل له بمعاشرته الخراف أو مزاح ؛ فإن معاشرة أهل الأدناس تورث الظلمة للبصر والبصيرة ؛ فإن العاقل يكون طاهر البدن والأعضاء والجسم ، وهي في مكانه من الكد والجهد ، فإذا أخلص وتخلص من الأعمال الخبيثة وتعمر قلبه بالأعمال الصالحة ، فإن اللّه يحب من عباده أخوفهم منه وأطهرهم وأزهدهم وأحفظهم وأعفهم وأعفاهم وأكرمهم وأدينهم وأحسنهم خلقا ، وأشدهم توكلا ، وأكثرهم ذكرا ، وأوسعهم صدرا ، وأنفعهم لخلق اللّه بالقول ، التوبة ما هي بالورق ولا هي بالدرج ولا بالكلام ، بل قف على قدميك بين