ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
160
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
يسجد لك ولتعرضه لمشيئتي وقدرتي ولدعواه ولتفكره في طول عبادته وبكر سنه وتطاول زمانه استصغر قدرك واستضعف حالك وقال منشأ في وقت حدث من طين وصلصال وفخار من أرض مظلمة ، لا نور ولا تقادم سنين ، مثلي في العبادة ودهور فأتلفه ، ما سلم لقدرتي ، فإن أمري بين كاف ونون ، أقول للشيء كن فيكون ، وعطائي في ساعة واحدة تسبق سنين ودهور ، وعنايتي في لحظة يقصر عنها العاملون ، وكرمي في طرقه يحير فيه العارفون ، فإني أعجز الكبير بالصغير ، والعزيز بالحقير ، والغني بالفقير ، والجبابرة بالبعوض والذباب ، أعجز الجبال والأرض والرمال والثور والحوت والبهموت ، فلم لا سلمت قال : يا رباه ما قدر الشقي على ذلك ولكن وعزتك وجلالك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين ، وعمد إلى حكاية مشهورة وتخابل وصار شيخ محدوب الظهر ، ودخل على حواء في فم الحية ، وتحايل بما يطول عنه الشرح إلا إذا خرجا جميعا ، وقد قيل إن الإنسان والطير والوحش ما يجيئون عشر معشار نسل الجن ، فإن إبليس اللعين ما يوسع الحيلة إلا في الخراب ويجيش حزبه ، فاللّه تعالى لا يمكنه من هذه العصابة المحمدية ، وليس ذا نسل إبليس إلا كظم الغيظ ، وطرح سيف الغيظ ، وخذلان اللعين بالتجاوز ، وقلة طاعة النفس ، فإن اللّه تعالى يقول : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [ البقرة : 191 ] وما يغلب لعنه اللّه إلا بالعفو وقلة استعمال القيل والقال ، ولا شك ، إلا أن الواجب على العقلاء أن يتحققوا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد ذكر أن : « خير الزمان زماني وخير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم أولئك ثلاث قرون » « 1 » وأما القرن السابع ، فكانوا يتعوذون منه ، لكن كان في أولئك الوحي والتنزيل والصحابة والتابعين . وأما نحن في زمان ما فيه إلا بركة اللّه ورسوله وأوليائه زمان قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ترى عابدهم ذليل وعالمهم ذليل وعالمهم حقير » العلماء باللّه زمانا تظهر فيه الفتن ، ويكثر فيه الهرج والمرج لكن الوقت محتاج إلى فكرة حسنة وأن تلطف بقلوب المسلمين ، وأن تعاملهم بالرحب والسعة والإكرام ؛ فإن الناس عازمين على سنين حرب وجهاد وكفاح وجلاد ورجال واتحاد وعدو كبير من المشرق وهم « التتر » فإذا كان الناس يدا واحدة وقلبا واحدا وكلمة واحدة نتج أمرهم ، والواجب في هذا الوقت أن تقابل الأمراء والأجناد وغيرهم بالرحب والسعة والخلع والعطاء ، فإن هذا زمان فرسان الخيل وأبطال الرجال والشجعان فإنهم رعيتكم وكل راع مسؤول عن رعيته ،
--> ( 1 ) خير الزمان زماني : ليس بحديث أما ما بقي من النص فقد روى نحوه البخاري في صحيحه في أبواب عدة منها : باب لا يشهد على شهادة جور . . ، حديث رقم ( 2508 ) [ 2 / 938 ] وروى نحوه مسلم في صحيحه ، باب فضل الصحابة . . ، ( 2533 ) [ 4 / 1962 ] ورواه غيرهما .