ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
131
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
إذا كان في الآخر فيكشف عن الغطاء والعزم والحزم ، هنالك [ مقدامات لسؤلك ] « 1 » وتواضع للّه الواحد المالك ؛ لأن من طريق النسك أن تكون سالكا ناسكا ، وأن يرى كل شيء دون اللّه هالك ، والقوم متبعون في الآداب مع سيد الأمم إذ أنزل عليه الملك الوهاب : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [ النّور : 27 ] فقد كان أحد الصحابة إذا وقف يقول : نعم ثلاث مرات ، فإن إذن له وإلا رجع من حيث أتى . لكن نحن ما رأينا مفارقة من أحد من القوم كلهم كما قيل لبعضهم : هذا ابن أدهم يقدم عليك ، فقال : لا ما ألقاه ولا اجتمع به ، فقيل له في ذلك ؟ فقال : إن علمت بتشديد الطريق ، فإياك وإذا أظهرت الود والكلام الحسن ، فأخشى أن يكون رياء وميلا لاستجلاب الخواطر . وإن وقعت مجادلة إياك الحظوظ تتبوأ باعثا نفسانيا أو عجبا دنيويا أو مداراة ، وليس بهذا حاجة ، فلما اجتمع به وما أقلاه سالمه إلا أن الوقت عجيب هذا في زمن أولئك ؛ إذ هم تابعو التابعين فكيف بهذا القرن السابع الذي أكثرهم يجهلون شريعة السالك قدحا ، وحقيقة المحب بدعا ، كأنهم ما علموا عطاء اللّه ، ومواهب مدد اللّه ، وخوارق عجائب غرائبه ، فآمنوا حتى استحلوا المحارم ، والوقع في تحاديث مجامل النفع ، ولأثر طريقهم بألسنتهم ، وشرعوا ينقضون سلوكهم كأنهم اطلعوا أن باب العطاء غلق ، أو [ الملق المبق سمق ] « 2 » ، وقد حكي عن إبراهيم [ ابن أدهم ] أنه كان بات بالبرية ، وإذ قد اشتد به العطش ، وأضر به القيظ ، والتفت في جانب البادية فوجد راعيا متوكئا في عصاه ، فأتى إليه فقال له الراعي : يا ابن أدهم عطشان أنت ؟ قال : بلى ، فقال له الراعي : يا مسكين لو أخلصت للّه تعالى لأسقاك ، ولكن قف انظر قدرة مولاك ، وتقدم الراعي إلى صخرة كانت هناك مطروحة فضربها بعصائه ، فبرزت بثديين كثديي المرأة وأنهلا يسكبا ماء أبيض من اللبن وأحلى من الشهد ، قال : اشرب يا ابن أدهم وتعلم الإخلاص ، قال : فشربت حتى رويت فضرب الحجر كما هو بعصاه وقال له : اهدأ وسكن ماءك بإذن اللّه ، فسكن الماء ، ثم قال : يا إبراهيم لو حققت صدقك لضربت الحجر ، نبع ماؤه .
--> ( 1 ) كذا بالأصل وهي غير واضحة . ( 2 ) كذا بالأصل .