ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
129
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
لكن المحبة كما قال : إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ [ الحجر : 47 ] وهذا أبرح لمن وقف مع الشريعة ، وحق حقيقة الحقيقة ، والطريقة القويمة المستقيمة « لا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا عباد اللّه إخوانا » « 1 » والسعد والقبول من الأزل وتبعه العمل ، وإنما من داخله الوهل استنبط نفسه وخطى ومشى في حمى حماة اللّه ، لا بالعلم المكسوب ، ولا المخزون ولا المكنون ، ولا بالعلم المكسوب ، ولا بالعلم الموهوب المنشود ، والنية قد علمت إنما هي ، وهي درة ، فما التعارف بحظ ولا بخط ولا بكلام إلا من النية في اللّه ، وباللّه استقرت ، والمعونة من العطاء به قصدت وحصلت ، فضلا من كرمه على ذات عبده ، فالأبرار تقدمهم الأنوار بأعين الأسرار ، يشهدون المغيبات البرزخيات ، فأكثر شهوده لوجوده ؛ لأن الأبرار يرون رتبه حضور من وهل وحصل ؛ لأن هذا إلا هذا المتبصر والخير من نزع منه الالتفاتات وتخيلات وطويات ، حتى إذا كان خيرا حقا أعطاه المولى الخبير السميع البصير الاطلاع على ضمائر السرائر ، ولو كان في آخر بلاد الصين ووراء البحر المحيط في البعاد ، فسلم للقدرة ، وخضع للعظمة ، وخنع للوحدانية وتظال للربوبية ، فإن أمر يزوره إلى رجل أطلع عليه ، فكان ذلك بإذن اللّه تعالى . هذا إذا كان مقامه ، وهو مقام الفناء ، ويكون صاحب الاطلاع طالبا مناديا لا ينتظر مراعاة المخلوقين لا في الحرمة ولا الجاه ولا في القيام ولا في العقود ولا في القبول ولا في الأعراض ؛ لأن معاملة الخواص بباطن علم الفناء ، فلا يلتفتون إلى الأمر الظاهر ، ولكنهم متعانقون متحابون مجتمعون متكلمون بلسان الأسرار ، فلا انفصال بينهم أبدا ، فكيف ينفصلون وهم بحضرة اللّه سرمدا ، وأهل الطريق الحلم دأبهم إلا في الظاهر ، ثم آخرا في الباطن ، وهم متحدثون حتى لا يرسلون بقلبهم ولا بقالبهم ؛ لأنهم لا فرق بينهم ، لأن المطلع أغناه في ذلك علمه بالمقامة ، ولهم لسان تحقيق ، ولسان توفيق ، ولسان في الظاهر ، ولسان الباطن ، يعرفهم هذا ، ويعلمهم هذا ، فلا علام كالأعلام ، وكل ذلك مشهور لمن يقرأ المرسوم المسطور ، فكل مدرك اطلع عليه ، قد انفصل ما بينهم الكلام حتى قال القائل وقد تمازجت الرجال كما
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر . . ، حديث رقم ( 5718 ) [ 5 / 2253 ] ومسلم في صحيحه ، باب تحريم التحاسد . . ، حديث رقم ( 2559 ) [ 4 / 1983 ] ورواه غيرهما ولفظ الحديث : « لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللّه إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام » .