أبي المعالي القونوي

142

شرح الأسماء الحسنى

وعلامة المتّصف بحقائق هذا الاسم أن يكون وقورا خمولا متواضعا صابرا على إيذاء أهل الغفلة ، لا يقابل الغافل ، ولا ينازع الجاهل ، ويكون كما وصف الحقّ سبحانه صاحب هذا المشهد بقوله : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً « 1 » إمّا بالقول أو بالحال ، فلو أراد صاحب هذا المقام أن يزيد على قوله سلاما ما استطاع ، لعدم اختياره ، وعصمة الحقّ إيّاه من كونه تعالى سمعه وبصره وجميع قواه ، ولو وكلّه الحقّ إلى نفسه لانتظم معه في سلك الجهالة ، فإنّ من خاصيّة الإنسان أنّه لم يتكلّم « 2 » أحدا في أمر من الأمور إلّا وينصبغ بصفة « 3 » ذلك الأمر ، ولمّا تحقّق عند العارف المحقّق بأحوال المواطن ، [ من ] أنّ أكثر ما ينطق به الغافل الجاهل أو يتصوّره أو يعتقده أمور وهميّة أو خياليّة ، ليس لها في الحضرة العلميّة مقام يضبط عليه وجودها في حضرة الوجود ، فباطّلاعه على حقيقة كلام مثل هذا القائل علم عدم بقائها وزوالها ، لأنّه لا يرى لها حقيقة ولا صورة غير محلّها أصلا ، فتحقّق أنّه ليس لها ضابط يضبط عليه الوجود ، وأنّها ذاهبة من الوجود بذهاب قول قائل « 4 » ، فلذلك لا يلتفت إليه بأكثر من أن يقول سلاما ،

--> ( 1 ) - سورة الفرقان ( 25 ) : الآية 63 . ( 2 ) - ص : أن لا يتكلم . ( 3 ) - ص : بصبغة . ( 4 ) - ص : قائله .