أبي المعالي القونوي

43

شرح الأربعين حديثا

وأمّا السرّ فيمن قتله نبىّ ، فهو من أجل الأنبياء نوّاب الحق ومظاهر رحمته ، وسبب بعثتهم الرحمة بالخلق ، فهم مجبولون على الشفقة على الخلق ومأمورون بإرشادهم وتخليصهم من ظلمات الكفر والجهل والشكوك ، وأشدّ الناس حرصا على اهتدائهم ، ولهم عليهم السلام / البصيرة التامّة فلا يقدمون على قتل أحد إلا بعد اليأس من فلاحه ، والتيقّن بأن حياته سبب لمزيد شقائه وتعدّى ضرره إلى من له أهلية الترقي في درجات السعادة ، فقتلهم من قتلوا من أحكام الرحمة أيضا . ولمّا كان كلّ نبي مرسل مظهرا لبعض أحكام الرحمة كانت رسالته مقيدة ومقصورة على طائفة مخصوصة ، ولمّا كان نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلم مظهر حقيقة « 7 » الرحمة كانت بعثته عامّة ، وقيل فيه : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ « 2 » ، وتمّ ظهور حكم رحمانيته بالشفاعة التي بها يظهر سيادته على جميع الناس حتى أنّ من يكون له درجة الشفاعة من الملائكة والأنبياء والأولياء والمؤمنين لا يشفعون إلا بعده ، فافهم وتدبّر سرّ جوامع الكلم ، وما أدرج صلّى اللّه عليه وسلم في هذا الحديث الوجيز اللفظ من الأسرار والفوايد النفسية تتنبّه لبعض كمالاته ، فينمو تعظيمك إيّاه والموفّق هو اللّه .

--> ( 7 ) - ق : + ال ( 2 ) - سورة الأنبياء ( 21 ) ، الآية : 107