أبي المعالي القونوي

96

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

الوجود دفعة واحدة ، كما مرّ . ثم نقول : فالنفس وإن كان حقيقة واحدة فإنّه يكتسب في المخارج أسماء مختلفة بحسب التميّز الحاصل بسبب المقاطع « 1 » ، فامتداد « 2 » زمانه دون تعيّنه بمقطع من المقاطع يسمّى ألفا ، وأوّل تعيّنه بأقرب المقاطع نسبة إلى القلب - الذي هو ينبوع النفس - يسمّى همزة ، ثم يقال - مثلا - باء وسين وميم « 3 » ونحو ذلك كما قيل في الأصل : قلم ولوح وعرش وغير ذلك . فكلّ حرف فإنّه لا يغاير النفس ، ولا يمتاز عنه إلّا بتعيّنه ، كذلك كلّ فرد من أفراد الأعيان الوجوديّة والحقائق الأسمائيّة ، لا يمتاز عن الوجود البحت ، المنعوت بالغيب والشهادة وغيرهما ، إلّا بالتعدّد والتعيّن « 4 » الواقع في مرتبة الغيب الإمكاني ، بالنسبة إلى الحقّ لا إلى الأشياء . والواقع في مرتبة الشهادة التي أوّلها التعيّن الأوّل الاسمي المتميّز من الغيب الإلهي في الغيب الإضافي الذي هو الحدّ المذكور . ونظيره في النفس الإنساني - كما قلنا - الهمزة ، فالهمزة نفس التعيّن فحسب ، فالمتعيّن « 5 » بذلك التعيّن المذكور التجلّي الذاتيّ الظاهر من الغيب المطلق المضاف إليه النفس ، ومن الموجودات الكونيّة القلم ، والمتعيّن الأوّل في نفسنا بالهمزة . والمعرف بأحديّته هو الألف ، والمتعيّن به من الحروف التامّة في الشهادة الباء ؛ فإنّ الهمزة والألف ليسا بحرفين كما سنومئ إليه - إن شاء اللّه تعالى - وبالجمع والتركيب والمراتب « 6 » المختلفة على الأنحاء المختلفة ، وسريان حكم الجمع الأحدي - كما بيّنّا من قبل - ظهرت الموجودات جميعها ، وظهرت صور الألفاظ والكلمات والحروف في المراتب الكلّيّة وفي المخارج ، حاملة للمعاني ودالّة عليها حمل الأعيان الكونيّة أحكام المراتب والأسماء ، وسرّ المسمّى من حيث دلالتها عليه وعدم مغايرتها له من وجه ، فاعلم ذلك واللّه المرشد .

--> ( 1 ) . ق : التقاطع . ( 2 ) . ق : امتداده . ( 3 ) . ق : جيم ، ب : ميم . ( 4 ) . ق : بالتعيّن والتعدد . ( 5 ) . ب : والمتعيّن . ( 6 ) . ق : في المراتب .