أبي المعالي القونوي
91
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
قسم يختصّ به الحقّ ، وقسم ينفرد به الكون ، وقسم يقع فيه الاشتراك في المقام النفسي العمائي الذي هو السرّ الجامع المشار إليه . فالمختصّ بالحقّ سبحانه أمور لا يشارك فيها ، وهي على نوعين : ثبوتيّة باعتبار ، وسلبيّة باعتبار ، فالثبوتيّة منها : إحاطته « 1 » الوجوديّة والعلميّة ، وتقدّم وجوده على كلّ متّصف بالوجود ، وأوّليّة الإرادة والطلب ، وقبوله في كلّ وقت وحال وموطن ومظهر ومرتبة كلّ حكم بحسب كلّ حاكم وما ذكر والجمع بين وجوب الوجود ووجوب الثبوت على الدوام . والسلبيّة منها : كونه سبحانه لا يتقيّد ، ولا يتميّز ، ولا ينحصر ، ولا أوّليّة لوجوده ، ولا يحاط به ، فهذه الأمور يستحقّها بكلّ وجه وعلى كلّ حال ، فإنّها من مقتضيات ذاته ليس أنّ تلك الأمور لم تكن ذاته تقتضيها ، بل عرضت في مرتبة المظاهر الكونيّة وبالنسبة إليها ، وأضيفت إليه « 2 » بسببها ؛ إذ لو كان كذلك ، لعاد إلى الحقّ من الأعيان والحقائق به أو بها جمعا وفرادى ما لم تكن ذاته تقتضيه أزلا ، فيكون سبحانه قد تجدّد له من غيره أو بغيره قبول حكم أو وصف ، وثبت « 3 » ذلك له بثبوت الغير لكن لو فرض زوال ذلك الغير لزال ذلك الأمر ؛ « 4 » لأنّ ذاته لم تكن تقتضيه بدون هذا الغير ، وهذا لا يصحّ ؛ لأنّه يلزم منه قيام الحوادث بذات الحقّ وقبوله للتغيّر « 5 » ، وأن يعاد فيحكم على الثابت نفيه بأنّه واجب الثبوت أو ممكنه ، وهذا من باب قلب الحقائق ، وأنّه محال . غير أنّ هنا سرّا دقيقا فيه - لعمر اللّه - تحقيق « 6 » ، وهو أنّ هذه الصفات بأسرها وسواها لا تعلم « 7 » ولا يظهر ثبوتها وتعيّنها إلّا في العماء الذي هو البرزخ المذكور ، الفاصل بين الغيب المطلق الذاتي والشهادة ، كما ستعرفه - إن شاء اللّه تعالى - فالثابت الآن للحقّ في كلّ شأن - كائنا ما كان - هو ما اقتضته ذاته أزلا ، وكذلك الثابت لغيره من حيث حقيقته ، والثابت نفيه أيضا عنه وعن سواه ، فالمتجدّد إنّما هو ظهور تعيّن تلك الأمور ومعرفتها للأعيان وبها ،
--> ( 1 ) . ق : إحاطية . ( 2 ) . في بعض النسخ : إليها . ( 3 ) . يثبت . ( 4 ) . ب : الأمور . ( 5 ) . ب : للتغيير . ( 6 ) . ق : تحقين . ( 7 ) . ب : لم يعلم .