أبي المعالي القونوي
28
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
وصل من هذا الأصل بين طلّاب المعرفة والحقائق العلويّة اعلم أنّ لكلّ حقيقة من الحقائق المجرّدة البسيطة المظهرة التي « 1 » تعيّن الموارد المتعيّنة بها - سواء كانت من الحقائق الكونيّة أو ممّا ينسب إلى الحقّ بطريق الاسميّة والوصفيّة ونحوهما - لوازم ووجوها وخواصّ ، وتلك الصفات وما ذكر من أحكام الحقائق ونسبها فبعضها خواصّ ولوازم قريبة وبعضها [ لوازم ] بعيدة ، فكلّ طالب معرفة حقيقة - [ كائنة ] ما كانت - لا بدّ وأن يكون بينه وبينها مناسبة من وجه ، ومغايرة من وجه ، فحكم المغايرة يؤذن بالفقد المقتضي للطلب ، وحكم المناسبة يقتضي الشعور بما يراد معرفته . والإنسان من حيث جميعه مغاير لكلّ فرد من أفراد الأعيان الكونيّة ، ومن حيث كونه نسخة من مجموع الحقائق الكونيّة والأسمائيّة يناسب الجميع ، فمتى طلب معرفة شيء فإنّما يطلبه بالأمر المناسب لذلك الشيء منه لا بما يغايره ؛ إذ لو انتفت المناسبة من كلّ وجه لاستحال الطلب ؛ إذ المجهول مطلقا لا يكون مطلوبا كما أنّ ثبوت المناسبة أيضا من كلّ وجه يقتضي الحصول المنافي للطلب ؛ لاستحالة طلب الحاصل ، وإنّما حصول الشعور ببعض الصفات والعوارض من جهة المناسبة هو الباعث على طلب معرفة الحقيقة التي هي أصل تلك الصفة المشعور بها أوّلا . فتطلب النفس أن تتدرّج من هذه الصفة المعلومة أو اللازم أو العارض ، وتتوسّل « 2 » بها إلى معرفة الحقيقة التي هي أصلها ، وغيرها من الخواصّ والعوارض المضافة إلى تلك الحقيقة .
--> ( 1 ) . ق : عن . ( 2 ) . ه : نتوسّل .