أبي المعالي القونوي
29
اعجاز البيان في تفسير أم القرآن
فتركيب الأقيسة والمقدّمات طريق تصل بها « 1 » نفس الطالب بنظره الفكري إلى معرفة ما يقصد إدراكه من الحقائق ، فقد تصل إليه بعد تعدّي مراتب صفاته وخواصّه ولوازمه تعدّيا علميّا ، وقد لا يقدّر له ذلك ، إمّا لضعف « 2 » قوّة نظره وقصور إدراكه - المشار إلى سرّه فيما بعد - أو لموانع أخر يعلمها الحقّ ومن شاء من عباده ، أوضحها إقامة كلّ طائفة في مرتبة معيّنة لتعمر المراتب بأربابها لينتظم شمل مرتبة الألوهيّة ، كما قيل ، : على حسب الأسماء تجري أمورهم * وحكمة وصف الذات للحكم أجرت . وغاية مثل هذا أن يتعدّى من معرفة خاصّة الشيء أو صفته أو لازمه البعيد أو القريب إلى صفة أو لازم آخر له أيضا ، وقد تكون الصفة التي تنتهي إليها معرفته من تلك الحقيقة أقرب نسبة من المشعور بها أوّلا المثيرة للطلب ، وقد يكون البعد على قدر المناسبة الثابتة بينه وبين ما يريد معرفته ، وبحسب حكم تلك المناسبة في القوّة والضعف ، وما قدّره الحقّ له . فمتى انتهت قوّة نظره بحكم المناسبة إلى بعض الصفات أو الخواصّ ، ولم ينفذ منها متعدّيا إلى كنه حقيقة الأمر ، فإنّه يطمئنّ بما حصل له من معرفة تلك الحقيقة بحسب نسبة تلك الصفة منها ومن حيث « 3 » هي ، وبحسب مناسبة هذا الطالب معرفتها منها ، ويظنّ أنّه قد بلغ الغاية ، وأنّه أحاط علما بتلك الحقيقة ، وهو في نفس الأمر لم يعرفها إلّا من وجه واحد من حيث تلك الصفة الواحدة أو العارض أو الخاصّة أو اللازم . وينبعث غيره لطلب معرفة تلك الحقيقة أيضا يجاذب مناسبة خفيّة بينه وبينها من حيث « 4 » صفة أخرى ، أو خاصّة أو لازم ، فيبحث ويفحص ويركّب الأقيسة والمقدّمات ساعيا في التحصيل ، حتّى ينتهي مثلا إلى تلك الصفة الأخرى ، فيعرف تلك الحقيقة من وجه آخر بحسب الصفة التي كانت منتهى معرفته من تلك الحقيقة ، فيحكم على إنّيّة الحقيقة بما تقتضيه تلك الصفة وذلك الوجه ، زاعما أنّه قد عرف كنه الحقيقة التي قصد معرفتها معرفة تامّة إحاطيّة ، وهو غالط في نفس الأمر وهكذا الثالث والرابع فصاعدا ، فيختلف حكم الناظرين في الأمر الواحد ؛ لاختلاف الصفات والخواصّ والأعراض التي هي متعلّقات مداركهم ومنتهاها من ذلك الأمر الذي قصدوا
--> ( 1 ) . ق : به . ( 2 ) . ه : بضعف . ( 3 ) . ق : أبعد . ( 4 ) . ق : حيثها .