أبي المعالي القونوي

118

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

وبيانه أنّ مبدأ التوجّه الإلهي للإيجاد صدر من ينبوع الوحدة بأحدية الجمع ، وتعلّق بكمال الجلاء والاستجلاء المعبّر عن حكمه تارة بالعبادة ، وتارة بالمعرفة ، وهو قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ « 1 » الآية . بالتفسيرين ، والظاهر بهذا التوجّه من غيب الحقّ هو الوجود المنبسط على الأعيان لا غير . ولمّا كان العالم بما فيه ظلّا لحضرة الحقّ ومظهرا لعلمه ، سرى الحكم واطّرد فيما هو تابع للعلم وفرع عليه ، فاعلم ذلك ، وإذا تقرّر هذا فلنعد إلى ما كنّا فيه من بيان سرّ بدء الأمر لنستوفيه . فنقول : فانسحب « 2 » حكم التوجّه الإلهي الأحدي لإيجاد عالم التدوين والتسطير على الأعيان الثابتة بعد ظهور الأرواح المهيّمة « 3 » التي مرّ حديثها منصبغا بحكم كلّ ما حواه الغيب ممّا تعيّن به ، وامتاز عنه من وجه ، فكان توجّها جمعيّا وحدانيّ الصفة : فأمّا جمعيّته فلما حواه الغيب ممّا أحاط به العلم وتعلّق بإبرازه . وأمّا أحديّته فلأنّ الإرادة وحدانيّة ، ومتعلّقها من كلّ مريد في الحال الواحد لا يكون إلّا أمرا واحدا ، والمريد الحقّ سبحانه واحد « 4 » ، فإرادته واحدة لا محالة ، ومتعلّقها لا يكون في كلّ شأن إلّا أمرا واحدا هو غاية ذلك التوجّه الإرادي ونتيجته ، ومنزل التوجّه الإلهي ، ومحلّ نفوذ اقتداره ليس إلّا أمرا واحدا وأنّه العماء وقد مرّ حديثه ، فأنتج التوجّه الإلهي المذكور - كما قلنا في مقام عالم التدوين والتسطير - نتيجة وجوديّة متوحّدة حاملة كثرة غيبيّة نسبيّة ، فسمّاها الحقّ قلما وعقلا . فعقلا من حيث الوجه الذي يلي ربّه ، ويقبل به ما يهبه ويمدّه ، ومن حيث إنّه أوّل موجود متعيّن عقل نفسه ، ومن تميّز عنه ، وما تميّز به عن غيره بخلاف من تقدّمه بالمرتبة وهم المهيّمون . وقلما من حيث الوجه الذي يلي الكون ، فيؤثّر ويمدّ ، ومن حيث إنّه حامل للكثرة

--> ( 1 ) . الذاريات ( 51 ) الآية 56 . ( 2 ) . ق : فانسجب . ( 3 ) . في بعض النسخ : المهيمنة . ( 4 ) . ه : فواحد .