جلال الدين الرومي

63

فيه ما فيه

يقوم بعمل واحد وكذلك أحوال هذه الدنيا حين تتأملها ، فإن الجميع يؤدى عبودية الله من الفاسق والصالح والعاصي والمطيع والشيطان والملاك ؛ فمثلا يريد ملك امتحان عبيده واختيارهم حتى يتميز الثابت منهم من غير الثابت والوفي من الخائن فلا بد من مهيج ومثير حتى يظهر الثابت فإذا عدم المنهج فلن يظهر ثباته . إذن فهذا المهيج المثير المقلق يقوم بطاعة الملك ويفعل ما أراده الملك طالما أنه أراده وما هذا المثير إلا ريح تثور فتميز الثابت من نقيضه وتفرق البقة من الشجرة حتى تزول البقة ويبقى ما هو ثابت . أمر ملك جارية له بأن تزين نفسها وتعرض مفاتنها على عبيده حتى تظهر أمانة كل منهم أو خيانته . فمع أن فعل الجارية هذا من الظاهر معصية لكنها في الحقيقة تطيع أمر ملكها . ولما رأى العارفون أنفسهم في هذه الدنيا لا بالدليل والتقليد بل بالمعاينة وبدون حجاب ونقاب ، وأن جميع الخلق يطيعون الحق وينصاعون لأمره سواء بالخير أو بالشر ( وإن من شئ الا يسبح نحمده ) اذن فلا بد أن يحق عليهم قيام القيامة ؛ لأن القيامة هي أن يقوم الجميع بعبودية الله ولا يفعلون غير هذا ويرون هذا المعنى في كل مقام حتى ( لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ) . العالم لغة أعلى من العارف ؛ لأن الله يطلق عليه العالم ولا يجوز أن يقال له عارف ، ومعنى العارف هو من يعلم ويجهل ، وهذا لا يجوز على الله لكن من ناحية العرف فإن العارف أعظم من العالم ؛ لأن العارف يعلم ما خرج عن الدليل شاهد العالم وعاينه ، وهذا معنى العارف عند العارفين . رووا أن العالم خير من مائة زاهد والعالم خير من مائة ألف زاهد فكيف يكون هذا ؟ إن الزاهد