جلال الدين الرومي
64
فيه ما فيه
قد تزهد بالعلم والزهد بدون العلم محال وما هو الزهد ؟ إنه الإعراض عن الدنيا والتوجه إلى الطاعة والآخرة لكن ليتحقق هذا الزهد لا فوت من فهم الدنيا والوقوف على قبحها وتغيرها وعلم لطف الآخرة وثباتها وبقائها والاجتهاد في الطاعة وكيف أؤدي الطاعة ؟ وما هي هذه الطاعة ؟ كل هذا لا يتأتى ألا بالعلم . إذن فالزهد بدون العلم محال ، وإذن فالزاهد زاهد كما أنه عالم ، كذاك فهذا العالم الذي يفضل مائة زاهد كلام حق ولم يفهم معناه ؛ لأن علمه آخر يلي هذا الزهد والعلم الذي كان له أولا يمنحه الله له ؛ لأن هذا العالم الثاني هو ثمرة ذاك العلم والزهد . قطعا إن مثل هذا العالم يفضل مائة ألف زاهد . ومثل ذلك رجل غرس شجرة فأثمرت الشجرة فهذه الشجرة ؛ المثمرة أفضل من مائة شجرة لم تثمر لأنه يجوز ألا تثمر ؛ لأنها أصيبت في طريقها بآفات كثيرة . الحاج الذي وصل الكعبة خير من الحاج الذي لا يزال في البرية سائرا لأنه يخشى ألا يصل ، أما الأول فقد وصل الحقيقة ، وحقيقة واحدة خير من ألف شك . قال الأمير النائب من لم يصل لديه الأمل في الوصول فقال أين الذي لديه أمل من ذاك الذي وصل شتان ما بين الأمن والخوف ولم الحاجة إلى هذا الفرق فهذا الفرق ظهر للجميع وإنما العبرة بالأمن . إن ما بين الأمن والأمن فروقا عظيمة وفضل محمد عليه السّلام على الأنبياء هو من ناحية الأمن وإلا كان جميع الأنبياء في أمان وتجاوزوا الخوف إلا أن داخل الأمن مقامات وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [ سورة الزخرف الآية 32 ] . غير إنه يمكن أن نحدد عالم الخوف ومقامات الخوف لكن مقامات الأمن لا حدود وصفات لها . ينظر في عالم