جلال الدين الرومي

23

فيه ما فيه

عندي ولو بعت نفسك بجهنم فقد ظلمت نفسك كذلك الرجل الذي دق سكينا يقدر بمئة دينار في حائط ليعلق عليه كوزا أو كوسة . نعود إلى ما كنا فيه ، تعتذر قائلا أشغل نفسي بأمور عالية وأحصل علوم الفقه والحكمة والمنطق والفلك والطب وغيرها بينما كل هذه العلوم وضعت من أجلك فالفقه وضع لكيلا يسرق أحد خبزك أو يمزق رداءك أو يقتلك فتعيش في أمان والفلك أيضا ؛ لأن معرفة أحوال الفلك وتأثيره على الأرض يتعلق بأحوالك فهو من أجلك وإن تعلق نجم السعد أو النحس بطالعك فعلم ذاك يخدمك فأن تأملت فأنت الأصل وكل هذه العلوم فرعك وإذا كان فرعك بمثل هذه التفصيلات والعجائب والأحوال وعوالم الغرائب التي لا تنتهى فانظر أحوالك أنت في الأصل . إذا كان لفروعك عروج وهبوط وسعد ونحس فانظر أي عروج وهبوط في عالم الأرواح وسعد ونحس ونفع وضرر لك أنت الأصل ، وكيف أن الروح لها تلك الخصائص وتتأتى منها تلك الأفعال ويليق بتلك الأعمال : إن لك غذاء آخر يخالف ما اعتدت عليه من غذاء ( أبيت عند ربى يطعمني ويسقيني ) . ونسيت هذا الغذاء الرباني في الدنيا وانشغلت بذاك الغذاء البدني فربيت جسمك ليلك ونهارك وما جسدك إلّا حصان وهذه الدنيا ما هي إلا حظيرته وغذاء الحصان ليس هو غذاء راكبه بل له غذاء وطعام وتنعم بسرّه . أما سبب أن الحيوانية والبهيمية تغلبتا عليك ؛ فلأنّك ركبت حصانا تخلف عن سائر الأحصنة وليس لك مقام في صف الملوك وأمراء عالم البقاء . قلبك هناك لكن جسدك لأنه تغلب عليك فقد جرى عليك حكمة وغدوت أسيرا له .