جلال الدين الرومي
228
فيه ما فيه
وبهذا فإن الحديث والصمت والأكل والنوم والغضب والعفو وجميع الأوصاف عبارة عن دوران طاحونة ، ولا شك أن دورانها بواسطة الماء ، ولأنه جربها بدون ماء ، إذن لو أن الطاحونة نفسها رأت دورانها لأدركت ما هي فيه من جهل ، إذن فإن ذلك الدوران ميدان ضيق أو مثل مصغر ؛ لأن أحوال هذا العالم بيد الحق وتطلب من الحق وكل ما لا يتحقق لي في عالم الجسد حققه لي في عالم الأرواح . ولما أن كل الحاجات مرتبطة به ورحمته بالنسبة إلى جميع الموجودات عامة ، إذن أعرض حاجاتك من لحظة إلى أخرى ودائما أذكره فإن في ذكره قوة للروح فإذا تّم مرادك كله كنت نورا على نور ، وذكر الحق ينوّر الباطن شيئا فشيئا ويكون لك بمثابة انقطاع عن العالم . فمثلا إذا أراد طائر أن يطير في السماء ، وعلى الرغم من أنه قد لا يصل إلى السماء أنه يبتعد عن الأرض شيئا فشيئا ويرتفع فوق الطيور الأخرى فمثلا قد يكون المسك في حق أو إناء ولا تفوح رائحته ولا تظهر هذه الرائحة حتى تخرجه من الإناء فلا يمكن إحضار المسك إلا أن تتعطر به فيبدو طيبا للمشام ، وهكذا يكون الحق جل شأنه ؛ فعلى الرغم من أنك لا تصل إلى ذاته بذكره تصل إلى أثره جل جلاله ، ويحدث فيك فوائد عظيمة بذكره سبحانه . * * *