جلال الدين الرومي
644
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
العارف الذي نجا من قيد الخمسة " الحواس " والستة " الجهات " ، وبذلك جعلك عارفا بما وراء هذه الخمسة وهذه الستة ، ولم يكن ذلك من كثير سياحة أو كثير دراسة ، بل لأنه جاوز الأوهام واعتزل ، ومن هنا فإن إشاراته أصبحت إشارات الأزل " فبى يسمع وبي يبصر " ، وإن لم يكن العارف خارج بئر الدنيا ، فكيف يستطيع أن ينجى الأرواح من داخله ، إن العارف مشرف ببصيرته على الفلك الأعلى ، ومع ذلك فهو ببشريته ومواساته للبشر واهتمامه بخلاصهم ونجاتهم منصرف إلى البئر يخلص منه السالكين ويصل بهم إلى الملك الذي لا يبلى ، وهذا هو مصير الأرواح الناظرة إلى الحق والتي يرمز لها بيوسف الصديق عليه السّلام نعم إن الآخرين باحثون عن الماء في البئر أي عن النفع في الدنيا لكنه هو أي العارف باحث عن نجاة الصحاب من قاع البئر ومن ثم فدلوه ( وجوده ) ليس دلوا ، إنه ماء ، هو نفسه قوت لأرواح أسماك بحر الحياة ، والناس الآخرون متعلقون بالأفلاك ، لكنه - أي العارف - موجود دائما بين إصبعين من أصابع الرحمن ثم يعود مولانا قائلا : ما هذا الذي أقول ؟ ! ما الدلاء وما الجبال وما الأفلاك ؟ ! ما هذه التشبيهات التي ألجأ إليها ، ما هذا التعبير الركيك ؟ ! المشكلة أنه لا يمكن التعبير عن هذا العالم المعروف بالعارف ، فكل التعبيرات إلى جوار وجوده الحقيقي تعبيرات ركيكة ، إنه مئات الآلاف من الرجال ، فيه قدرتهم الروحية مهما كان جسده نحيلا أو ضعيفا ، إنه نموذج لقدرة الحق ، إنه فتنة ، لأنه مفتون بالحق ، وهو أيضاً فتنة للمنكرين وغير العالمين وكلهم في مقابل عظمته وقدرته حفنة ، أو هو نفسه حفنة أدمجت فيها كل البيادر ، وذرة أدمجت فيها مائة شمس ، وإن أبدت هذه الذرة قوتها لانمحت أمامها كل الأفلاك والكواكب ، مثل هذه الروح العظيمة لا يمكن أن يحتويها جسد إن هذا يشبه أن تصب البحر كله في قربة ، إنها في عظمة جبريل والمسيح والكعبة ، وإن تبدت في صورة حقيرة تمويها واخفاءً وضناً وغيرة ، إنه رباني ، الهى ، على مثال الله ، إنه موضع سجود عالم المعنى ، لأن الآخرين عن طريقه يرتبطون بعالم الروح وأمثال إبليس إنما يضلهم