جلال الدين الرومي
606
المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )
الأكل من الشجرة المحرمة ، فلو لم يكن الأب قد نهى أولاده عن الذهاب إلى القلعة لما فكروا أصلًا في الذهاب إليها ، وهكذا فالإنسان حريص على ما منع ( انظر البيت 854 من الكتاب الثالث ) ، وأكثر الخلق لا يرون تجليات الحق بالجمال في هذا العالم ، وانظر إلى مولانا يفرق بين تلقى فئتين عن النهى : أهل التقى الذين ينهون النفس عن الهوى ، إن مجرد النهى يبغضهم في ما نهى عنه ، لكن أهل الهوى يقعون في ما نهوا عنه لمجرد أنه منهى عنه ، ألم يرد في شأن القرآن الكريم يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( البقرة 26 ) والمعيار : الإنسان نفسه إذا كان لديه الاستعداد للهدى أو الاستعداد للضلال ، والحمام الأليف المخلد إلى الأرض هو غالباً الذي يقع بين البوص " حبائل الدنيا ومغرياتها " ، لكن الحمام المحلق في سماء العرفان نادراً ما يقع في هذه المغريات . ( 3679 - 3689 ) : يعود مولانا إلى فكرة دق عليها في بداية المثنوى وهي الإنسان من فرط ثقته بنفسه وغروره بقدراته ، أحياناً يعتمد على حوله وطوله ، ويبدأ في عمل ما دون أن يستثنى أي دون يقول " إن شاء الله " ويعود مولانا - وهو في ختام الرحلة ونهاية المطاف - فيذكر بما سبق أن مر في حكاية مرض الجارية ومحاولة الأطباء علاجها دون جدوى ( الكتاب الأول الأبيات 25 - 247 ) كان كل منهم واثقاً في نفسه - الطباء والأبناء - عارفاً بفنه ، مقتنعاً بقدرته ، معتمداً على العلوم التي حصلها والأسباب التي أخذ بها ، والنتيجة ؟ ! الفشل الذريع لأن كل هذه أمور لا تنفع إذا كان الله لا يريد ( عن الاستثناء انظر 48 - 50 من الكتاب الأول و 1640 من الكتاب الثالث ) ، إن الأشياء التي لا يريدها الله أن تتم لا تتم ، هذا هو لب الأمر ، قلتها ، وسأظل أقولها وإن كان هناك مائة كتاب فهي ليست سوى معنى واحد " لا وجود إلا لله ولا إرادة حقيقية إلا لله " ، والطرق كثيرة ، والمذاهب كثيرة بعدد أنفاس بني آدم ، لكنها تفضى إلى منزل واحد ، المبدأ والمعاد ، حتى في وجودك الجسدي أيها الإنسان إن شبعت ( وصلت إلى الحقيقة ) فإن كل المآكل تستوى أمامك لكن عند الجوع ( الحيرة عدم