جلال الدين الرومي

598

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

لغضب الحق ، وأحياناً يواصلون رحيلهم الروحي بصبر وصمت فتكشف لهم أسرار الغيب . وفي الحكاية التي بين أيدينا يمثل كل ابن من الأبناء نمطاً من أنماط السلوك ، ويعتبر بعض شراح المثنوى الملك هنا بمثابة المرشد والأبناء الثلاثة بمثابة النفس والعقل والروح الباحثة عن المعرفة ، ويعتبرونها مراحل ثلاثة لكمال المريد ، وهذا التفسير ليس صحيحاً لأن الصفات التي يقدمها مولانا للأبناء الثلاثة لا تجعلهم مختلفين إلى هذا الحد بحيث يمثل كل واحد منهم مرحلة من هذه المراحل الثلاثة ، فالثلاثة عشاق لمعشوق واحد غير مرئى ، وكل واحد يدل الآخر - دون وجود روح المنافسة - على طريق الوصول إلى محبوبه ، فنحن بالفعل أمام ثلاثة أنماط من السالكين إلى طريق الحق ، وكأن مولانا كان يقول لمريديه قبل نهاية المثنوى أن السير في طريق الحق يتمثل في هذه الأساليب الثلاثة . والأمير هو الإنسان عموماً وتكرر المعنى كثيراً في المثنوى ( وهو أشد وضوحاً في الحديقة ) ، ووالدهم هو عالم التراب هذا ، هؤلاء الأبناء يتركون والدهم طلباً للرحيل في الآفاق والأنفس ، ويريد والدهم أن يردهم إلى عالمهم ويحذرهم من الرحيل إلى قلعة ذات الصور ففيها صور قد تجرهم إلى عالم آخر ، وليست هذه الصور إلا تجليات عالم الغيب في عالم الشهادة . وفيها توجد صورة ابنة ملك الصين تسلب لب الأبناء الثلاثة ، بحيث ينسون العودة إلى والدهم ، هذه الصورة هي كأس خمر تهب الأبناء الثلاثة خمر الروح ، وواهب الخمر ملك الصين رمز للخالق يصفه مولانا بأوصاف الحق ، فهو عالم ببواطن هؤلاء السالكين ، يهبهم أضعاف أضعاف ما فقدوه في عالم التراب . هذه الحكاية هي في الواقع حكاية السلوك الصوفي يبدأ من بلاط ملك العالم وبعد قطع الفيافي والوهاد والجبال يحوزون وصال ملك الصين أي الوجود المطلق ، في هذا السلوك نرى ثلاثة من السالكين ، كل منهم ممدوح عن الآخر " لكن أسلوب السلوك ليس واحداً ، فالأكبر من رؤيتة للصورة يرى أنه ينبغي على من هذا التجلي الصوري أن يبحث عن بنت ملك الصين ، لكنه متسرع يلقى بنفسه في بلاط ملك الصين دون أن يتأكد أن هذا