جلال الدين الرومي

593

المثنوي المعنوي ( معرب الدسوقي )

بواطن العباد ، يغيرها ويبدلها كيف يشاء ، يقيم من المواقع والعقبات أمام أفكارهم وتدابيرهم ، ويحولهم عن طريق " فسخ العزائم " إلى طرق أخرى ( عن فسخ العزائم انظر الترجمة العربية للكتاب الثالث ، الأبيات 4465 - 4475 وشروحها ) وما حديث القلب ( القول والرقى ) إلا من فعله تعالى ، وهي كلها مثل باب قصر السر ، وهذه الوساوس والرقى والأقاويل من قبيل صرير الباب وكل قول وكل حديث نفس ينبئ عما يجرى في الباطن ، وهل يفتح باب الحق أو يغلق ، فانظر في باطنك أتوجه أصوات الفتح أو أصوات الغلق ، فإذا كان الصوت في باطنك صور باب الحكمة الإلهية ، هو داعى الخير ، فإن بابا قد فتح لك من رياض الجنان ، وفي الحديث هذه الأصوات يظهر دليلها في أفعالك ، لكنك قد تكون لغيرك مكشوفة وكأنه يطل من " شرفة " ، ألست تحس بالراحة من فعلك الخير ، وتختفى هذه الراحة عندما ترتكب شراً ، أنت معيار نفسك ، فانظر إلى باطنك ، فأنت أدرى به من غيرك ، فلعلك تعلم أنه من الحمق والبله أن تترك نظرك أنت فيما يتعلق بك أنت ، وتسلم نفسك إلى أنظار الأخساء الذين يجذبونك نحو جيفة الدنيا وكأنهم النسور الجارحة ، ولك عين واسعة كأنها زهرة النرجس ، ومع ذلك تصبح كالأعمى تريد من يأخذ بيدك ، وتكتشف فيما بعد إنك من استعنت به للأخذ بيدك هو أكثر عمى منك ، فهل يكون غيرك أكثر دراية منك بأحوال نفسك ( 3503 - 3513 ) : لكنك لا زلت تقول أنك لا تستطيع وتريد من يأخذ بيدك ، حسنا ، إليك من يأخذ بيدك ، إنه حبل الله المتين ، الذي أمرك الله سبحانه وتعالى بأن تعتصم به ( آل عمران / 103 ) وهو ليس عند أحد ، لكنه في حوزتك أنت ، إنك إن فعلت ما أمرك الله به ، وانتهيت عما يأمرك الهوى به ، فقد استمسكت بحبل الله فكل ما حاق بالقوم إنما حاق بهم من الهوى ، لقد انقلب الهوى على قوم عاد ريحا صرصرا ( الحاقة / 6 وانظر البيت 1357 من هذا الكتاب ) . وكل ما يحيق بالناس يحيق بهم من هوى النفس وشهواتها ووساوسها ، السمكة